الإسلام عدو الفكر المتطرف الأصولي

الشيخ أحمد كفتارو
الإسلام عدو الأصولية

الإسلام عدو الفكر المتطرف الأصولي

الشيخ أحمد كفتارولقاء مع بولينك – نيسان 1998

رحب شيخنا بالضيوف وتمنى لهم إقامة مباركة في بلدنا ثم سأل البرفسور بولينك:

ما دور العلمانية في فصل الدين عن الدولة؟

ابتسم شيخنا قائلاً: العلمانية حدثت لما ظهر الدين يعارض العلم والآن وقد انتشرت الحقائق العلمية لم يعد الإنسان يتقبل ذلك الدين الذي مال عن العلم فدعا إلى أن يفصل العلم عن الدين. أما في الإسلام فكله يقوم على العلم وكل حقيقة علمية يعتبرها الإسلام  حقيقة إسلامية دينية فليس هناك تنافر وتناقض بين العلم وبين الدين.

لا يوجد في الإسلام تنافر وتناقض بين العلم وبين الدين

في العالم الغربي رأوا هذا التناقض ففصلوا بين العلم والدين وأفيد الأخ أن الإسلام يفرض على الدولة أن تكون علمانية لأن الإسلام في الأصل هو علماني ففي الحديث الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»([1]) والعلم فرض على الفرد وعلى الجماعة وعلى الدولة يقول رسولنا الكريم: «الناس رجلان، عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما» ([2]).

قال الضيف: نسمع كثيراً عن الأصولية في الإسلام وكذلك عندنا ذلك المنحى من الأصولية في الكنائس فما هو رأيكم فيما يتعلق بالأصولية مقابل الدولة؟

اعتدل شيخنا في جلسته قائلاً: يجب أن نعرف ما هو معنى الأصولية، قرأت لروجيه غارودي عن الأصولية -لأن الأصولية في الإسلام غير موجودة- يُعرِّف الأصولية بأنها فرض أحد الطرفين على الآخر فرضاً إجبارياً الشيوعية أصولية لأنها تفرض على الإنسان معتقداتها، وهناك الأصولية النازية والأصولية الفاشية.

أما الإسلام فهو يمنع فرض العقيدة على أي إنسان فالإنسان حر فيما يعتقد لذلك نحن لا يوجد عندنا أصولية بل الآن نسمع عنها في السنوات العشرين السابقة، وفي الإسلام الدعوة إلى العقيدة تكون بالحوار بالإقناع، بالبرهان بالدليل، لقد حارب القرآن في مواضع متعددة فرض العقيدة على الآخرين يقول الله عز وجل: «لا إكراه في الدين» وعاتب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم قائلاً: أفأنت تكره الناس على أن يكونوا مسلمين» لذلك الإسلام هو عدو الأصولية وهي ليست منه وليس منها.

الإسلام يمنع فرض العقيدة على أي إنسان فالإنسان حر فيما يعتقد

قال الضيف: أريد أن أتابع هذا السؤال لو سمحتم، سورية دولة علمانية وعندكم تجمع ديني جميل في سورية لكل الديانات وفي بعض الدول الغير عربية ليست علمانية ولا يوجد تسامح بين المجموعات الدينية المختلفة.

رد شيخنا باسماً: إذا وجد عدم تسامح ديني فهذا يتنافى مع التعاليم الإسلامية، وهذا عمل سياسي وليس عمل إسلامي.

شكر الضيوف شيخنا كثيراً وودعوه.

([1]) سنن ابن ماجه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، والبزار في مسنده.

([2]) المعجم الكبير للطبراني: ج10 ص201.

لحظات لا تنسى و لن تنسى

الشيخ أحمد كفتارو
لحظات لا تنسى و لن تنسى

لحظات لا تنسى و لن تنسى

الشيخ أحمد كفتارولن أنسى ولا أنسى

وجه شيخنا الغالي المستسلم المطمئن وهو ينْزِف الدم من معدته المرة تلو المرة، يحاول أن يهدئ من روعنا، وأن يصرف عنا الخوف، لئلا يدعنا نتهاوى خوفاً عليه ونحن نرى الدم يسيل حتى غطى الفراش.

كنت أحسّ بقواي تخور، ولأول مرة في حياتي معه شعرت بخوف حقيقي، وبأن الأرض تهتز من تحت قدمي وتهز كياني.

صرخت وأنا أغص بالبكاء: سيدنا أرجوك!

كنت أمسح الدم المرة تلو المرة، وكان مستسلماً بوداعة وهدوء وكأن الأمر لا يعنيه.

وجاءني صوته من بعيد… من الأعماق:

(هل عندك كتاب منتخب كنـز العمال؟).

كنت أبكي في داخلي وأرجوه أن يرتاح، لم أستطع حتى أن أومئ له برأسي.

ثم قال للطبيب أويس وقد رآه يحاول أن يتماسك والدموع في عينيه:

(دكتور هل عندك منتخب كنـز العمال؟).

ومن ثم انتقل إلى ابنه صلاح وقال:

(صلاح هل عندك منتخب كنـز العمال؟).

أجابه صلاح: نعم سيدنا عندي.

كان يريد حتى في لحظات الألم أن يصرفنا عن هذا الألم إلى الإيمان والعلم والدعوة إلى الله.

وعندما تكرر النّزف قلت باكية:

شيخنا أرجوك لا تتركني وحدي.

وعندها التفت إلي ليقول:

(لا !… أنا أريدك صدقة جارية في صحيفتي؛ لا أريدك أن تذهبي معي، المهم استمرار الدعوة، المهم الإسلام).

ثم نقلوه إلى المستشفى وسط ذهولنا ومحاولاته كسر الخوف الذي لفَّني والبكاء الذي خنقني.

وهناك في المستشفى كان يلح على العودة إلى المزرعة، كان يسأل الأطباء والمرافقين عني باستمرار، ويطلب أن أبقى بجانبه، وكم مرة قال:

(الله يرضى عليك، أنا راضٍ عنك؛ أنا راضٍ عنك؛ المهم هل أنت راضية؟).

وكان يقول دائماً لي:

(لا تخافي لن أتركك، سأظل معك).

كان في العناية المشدَّدة ولم يكن يئن أبداً، وكان يحاول ألا يجعلنا نحس بألمه، بل يتحدث عن الإسلام، وأننا مقصرون، وأن الوقت ضاق، وأنه خجل من ربه لتقصيره في التبليغ.

كان يتحدث عن عودة الإسلام؛ الإسلام بروحه وحقيقته، وأن هذا القرن هو قرن الإسلام، قرن العودة إلى الله، قرن السلام والرحمة والإخاء للعالم كله.

كان يتحدث عن آماله؛ يريد أن يبني مستشفى للأيتام والفقراء، ويريد أن يُحَدِّث مناهج التربية في المدارس الشرعية، وأن يجعل فيه ساعات للفكر وساعات للذكر.

لا أدري ما الذي كنت أحس به، كأن شيئاً ثقيلاً يكبلني، فلا أدري ماذا أقول ولا ماذا أفعل، أنا في ذهول مأخوذة مستسلمة بدون أي حركة أو اعتراض.

لا أدري كيف كنت أمشي، وكيف أصعد الدرج، لم أكن أتكلم مع من حولي، لم أكن أرى أحداً رغم الازدحام والإزعاج، كلمات قليلة كانت تخرج بصعوبة:

لا أريد، نعم، لا أدري، لا يهم، الحمد لله…

وبعد العملية، وفي يوم الاثنين، تمشى مع الأطباء في الغرفة بصعوبة، وكنت أشفق عليه أن يتحرك ولكنه لم يكن ينبس بكلمة تعبر عن ألمه أو تعبه رغم وضوح ذلك عليه؛ كان قلبي يئن بدلاً عنه.

رغم كل تعبه كان يقول بضعف:

(أنا متفائل، الإسلام قادم… تهيؤوا لصنع الإسلام، الناس بخير… أنتم مؤتمنون، أنتم مؤتمنون.. علينا تبليغ الرسالة وهذه الأمانة… يا ليت لي جسداً قوياً لأعمل في خدمة دين الله).

أنا متفائل، الإسلام قادم… تهيؤوا لصنع الإسلام، الناس بخير

ثم جلس وهو يلهث، وناداني لأجلس بقربه وكأنه يريد أن يُسرّ لي حديثاً، نظر إلي وحاول أن يبتسم حتى أطمئن عليه، كنت أغالب دموعي ولا أستطيع أن أنظر إليه، كنت أتضرع إلى الله وأنادي: يا الله، يا الله.

وسمع أذان المغرب فقال لي: (هيا، وتزوَّدوا؛ غداً إن شاء الله في المزرعة).

قلت: إن شاء الله، إن شاء الله.

تابع: (لم نذهب إلى الجامع هذه الجمعة أليس كذلك؟ فاتنا مجلس الملائكة ورياض الجنة).

وصار يلوح بيديه المنتفختين من إبر “السيروم” تحسراً على فوات مجلس العلم.

طلب الوضوء من أبي الخير، وأبى إلا أن يسبغه حتى تبللت الملاءات.

ذهبت لأتوضأ فناداني يستعجلني، فأتيت إليه وأنا وجلة.

قال: (أسدلي الستائر وأغلقي الباب).

كنت أتحرك بصمت لا أعرف ما الذي حلّ بي.

طلب بإلحاح أن يتجه بسريره إلى القبلة مع ما يسببه ذلك من شد الأنابيب الموزعة في جسده والآلام المرافقة لذلك، اتجه تماماً إلى القبلة ووقفت بجانب سريره وبدأ يصلي صلاة المغرب وبصوت مسموع لي بدأ: (الله أكبر…).

ركع طويلاً…

وسجد طويلاً ورفع يديه: (الله أكبر).

أحسست بالأنابيب تؤلمه في رفعه وفي سجوده.

انتهت صلاة المغرب، ورجوته كثيراً ألا يرفع يديه حتى لا يشد الأنابيب ولكنه لم يبال.

ثم صليت معه السنة وأنا قلقة باكية، موزعة القلب بين صلاتي وخوفي عليه.

وأحسست أنه يحلق بعيداً بعيداً، وغطت وجهه هالة نورانية، كان يتحرك في النور ويركع في النور ويسجد في النور.

ذهلت وصرت أنظر إليه بطرف عيني ولا أفهم ما يحدث، نور ما رأت عيني مثله وكأن الشيخ ليس هنا أبداً، إنه مع ربه يناجيه، يتصل به، وأنا أحدق فيه لا أدري ما الذي يحدث، دموعي تنهمر وصوتي يختنق، وضباب يلفني ولا أدري ما يكون.

وصلى صلاة الأوابين ست ركعات، ولا أدري أنا كيف صليتها لأنني كنت أراه يرتفع وكأن المكان الموحش أصبح نوراً صرفاً وهو يحلق إلى أعلى، وصوته يرجع: (الله أكبر… سمع الله لمن حمده… الحمد لله رب العالمين). غبت معه وجلة، ضارعة، مندهشة، ذاهلة، لا أدري ماذا كانت مشاعري!.

حاول أحدهم الدخول فرفع صوته ناهياً إياه من الاقتراب، وبقينا أكثر من نصف ساعة نغرق في النور والتسبيحات الملائكية.

(الله أكبر… سمع الله لمن حمده… سبحان الله العظيم… الله أكبر).

وأحسست بالاتصال وبعين الله ترعاه وتهدهده… الله أكبر… ولفتني سكينة وكأننا معاً هناك هناك في الأفق البعيد… وحدنا مع الله.

وطالت الصلاة والنور ينسكب من وجهه ويديه، يا لله كم كانت يداه بيضاويتين منورتين… الله أكبر نشيد إلهي يردده بخشوع.

(السلام عليكم ورحمة الله… السلام عليكم ورحمة الله).

نظرت حولي لا أدري أين أنا ومن أنا، كان الجو ملائكياً رحمانياً.

بقي دقائق يدعو الله رافعاً يديه يتبتل، لا أرى السرير، ولا أرى سوى النور يغمرنا وكأننا في الأعالي هناك… في عالم آخر كله نور، عالم نوراني سماوي، وكنت أتحرك بلا وعي ولا إدراك وكأن شيئاً ما يحركني، لست أدري كنهه.

دخل الدكتور “أويس” قلقاً مدهشا فرحب به شيخنا وأعدتُ له السرير كما كان وأنا كالمسحورة المأخوذة.

بعد دقائق جاء وفد من قيادات الحركات الإسلامية الفلسطينية، رحب بهم شيخنا كثيراً ثم حدثهم قائلاً: على كل واحد منا أن يتجند لإيصال حقيقة هذا الإسلام ليعم الأمن والرحمة. يجب أن نفهم القرآن كلمة كلمة، وجملة جملة، حتى نحقق ما فيه.

على كل واحد منا أن يتجند لإيصال حقيقة هذا الإسلام ليعم الأمن والرحمة

ثم بشرهم بالنصر وقال لهم متفائلاً:

(أنتم ستقودون المعركة، وسيظهر الإسلام، وبالإسلام فقط سيعم السلام والأمان للجميع). ووصاهم بالاستمساك بالعروة الوثقى وبالدعوة إلى الله، وبالجهاد للوصول إلى العزة والكرامة، وقال:

(إذا عرف الإنسان تعاليم الله، فإنه لن يعرف حق الإنسان فحسب، بل وحق الحيوان وحق البيئة… ولا يصبح الإنسان إنساناً إلا إذا دخل مدرسة الله.. مدرسة الأنبياء.

سيظهر الإسلام، وبالإسلام فقط سيعم السلام والأمان للجميع

خريطة الله هي خريطة السعادة الدنيوية والأخروية… لا تيأسوا، الإسلام قادم وأنا متفائل).

خريطة الله هي خريطة السعادة الدنيوية والأخروية

وبشَّرهم وبشَّرهم.

فقال له أحد القيادات: ما شاء الله يا شيخنا، وأنت على فراش المرض تدعو إلى الله وإلى الإسلام، بارك الله فيك!.

خرجوا جميعاً متفائلين بما بشرهم به شيخنا، أما شيخنا فحمد الله كثيراً وصار يدندن:

(الحمد لله الحمد لله، الشكر لله؛ الإسلام يا ابنتي قادم… أنا متفائل المهم أن نخطط ونعمل للهدف الذي أوجدنا الله من أجله وفي هذا سعادتنا الدنيوية والأخروية).

بعد لحظات من الهدوء أحس بألم في معدته، فحاولوا غسل معدته وإخراج ما فيها، فأحس بالتعب وقال: (أشعر كأن جسدي كله زجاج، وصار يرتجف).

وضعنا له عدة أغطية وأمسكت يده الباردة لأدفئها وأنا أختنق بالبكاء، فصار يردد: (لا تخافي، سأبقى معك، لن أتركك، الأهم هو الله، الأهم هو الله، كله خير… أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر… لا تخافي لن يخذلك الله، أنا راضٍ عنك، الله يرضى عليك).

كنت أمسح العرق من جبينه بيدي وأنا أرتجف خوفاً عليه.

فجأة رأى الأطباء أن ضغطه قد انخفض كثيراً فطلبوا مني الخروج حتى يضعوا له جهاز الإنعاش، خرجت باكيةً لا أرى طريقي، ودخل شيخنا رحمه الله في غيبوبته الأخيرة، وأحسست وقتها أن الأمل قد ضاع، وكان ذلك مساء الاثنين.

وفي صباح الثلاثاء، وضع له الدكتور “أويس” مسجلة على أذنيه لسماع القرآن الكريم، كانت حركته بطيئة، ولكن النور كان يغمر وجهه ويديه.

لا أدري كم وقفت بجانبه والألم يعتصرني والذهول يلفني، كم ناديته، كم دعوت له، أصبحت الدموع التي كنت أقاومها تهزمني وتلاحقني حتى كدت أختنق.

حاولت الأخوات تهدئتي وهن يبكين، ولكني كنت في غيبوبة لا أفهم شيئاً.

صباح الأربعاء جاء الدكتور “معن المالكي” لفحص شيخنا، كان يرمقني وأنا أعض على شفتي وأقول يا الله، ثم يعود لفحصه، ولكنه كان يتعامل مع شيخنا بطريقة أيقنت من خلالها -رغم الآمال العريضة- بأن الله قد اختاره للرفيق الأعلى.

وما هي إلا ساعة حتى أخبرني الدكتور “أويس” بأنه يجب أن أرتاح في بيتي وأن هذا أفضل لي.

خرجت وقد أصبح قلبي فارغاً، والعبرات تنهمر من عيني كآلة فقدت محركها لا أدري إلى أين أذهب؟ وماذا أفعل؟

كان ابني وزوجته في انتظاري وكانت أنظارهما تحوطانني، كانا يبكيان وهما يخففان عني بأن الله سيشفيه ويعيده لنا، وأن الله لن يخذلنا.

بعد قليل من خروجي وقبل وصولي البيت، حلقت روح شيخنا إلى بارئها وقد أدى أكثر مما عليه وترك بصمته ووصاياه على كل من حوله وفي أعماق كل من اتصل به.

كما كان يقول بأن جسده قد تعب، ولكن روحه ما زالت شابة تريد العمل للإسلام، وكم تمنى جسداً آخر قوياً ليقوم بتبليغ الرسالة من جديد.

لقد نسج لنفسه جسداً جديداً من أعماله وأقواله ليتابع دعوته إلى الله وخدمته لدين الله وللإخوان وللعالم كله.

رحمك الله يا شيخنا، وجعلك في أعلى عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقاً.

اللهم كما مننت علينا برفقته في الدنيا، امنن علينا بصحبته في حياة البرزخ وفي الآخرة، وثبتنا على نهجه وفكره تحت لواء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وصبرنا اللهم على ما قضيت، آمين آمين آمين.

التابع يقوده الآخرون إلى حيث يريدون

التابع يقوده الآخرون إلى حيث يريدون

التابع يقوده الآخرون إلى حيث يريدون

الشيخ أحمد كفتاروفي أوائل التسعينات ومن بداية زواجنا، كان شيخنا يشكو ألماً في صدره في عظم القص بعد تعرُّضه لبرد شديد في سيارة مكسورة النافذة أثناء مرافقته لوالده الشيخ أمين -رحمه الله- إلى بيروت.

ولكنَّ الألم كان يزداد أحياناً، فيُسبِّب حيرةً للأطباء الذين ارتأوا أخيراً أن يضعوا جهازاً ملاصقاً لقلبه موصولاً بقارئ لخطوط القلب لمعرفة مصدر ذلك الألم، وحتى يتأكدوا بأنَّ هذا الألم ليس ناشئاً عن ضعف في القلب أو عن قرحة هاجعة في معدته.

طلب الأطباء من شيخنا الرّاحة التامة، وعدم استقبال الضيوف.

وطلبوا مني مراقبة ذلك وتسجيل كل التغيرات.

لم يدم الأمر طويلاً في المزرعة، لأن كثيرين من أحباب الشيخ وإخوانه كانوا يريدون مقابلته، وكنتُ عندما أتدخل في الأمر تزدادُ مضايقة البعض لي، حتى وصل الأمر بأحدهم أن اتهمني بأنني أبعد الشيخ عنهم!. أو أحجزه لنفسي فقط، أو…الخ.

فما كان من الأطباء إلا أن طلبوا منه الذهاب إلى منزل أحد إخوانه خارج المدينة، علَّه يحظى ببعض الرَّاحة ويتسنى لي مراقبةُ قلبه عبر الجهاز لمعرفة سبب الألم.

مكثنا وحدنا والسعادة تغمرُ قلبي، وكنت أرعاه محاولةً تسليته بشتَّى الوسائل، حيثُ كان يفتقدُ دعوته وإخوانه، وكان ينظر إلي مبتسماً ويقول:

(يا  لكِ  من قنبُرة خلا  لك       الجـوُّ فبيضي  واصْفري

ونقِّري ما شئت أن تنقري        لا بُدَّ يوماً أن تُصادي فاحذري)

فأقول ضاحكة: هذا ما أراده الأطبَّاء!…

دامت إقامتنا أكثر من أسبوع.

كان هناك من يقوم على خدمتنا، وتأمين طلباتنا، ولم يستطع أحدٌ الوصول إلينا أو زيارتنا.. وأنا أسجل ساعة بساعة وقت مرور الألم أو ازدياده.

كنَّا نتمشَّى يومياً ونقرأ أو نكتب معاً.

والحمدُ لله فقد خفَّ الألم كثيراً ولم يعاوده.

وفي منتصف آخر ليلةٍ أحسستُ بيده تبحث عن علبة الدواء، فأوقعها على الأرض مُحدثة صوتاً، وتبعثر الدَّواء.

أضأتُ النور، فقال معتذراً:

(عفواً هل أيقظتك؟).

جلست بسرعة وقلت: أرجوك سيدنا عمَّا تبحث؟.. ماذا تريد؟..

قال وهو يتنفَّس بصعوبة ضاغطاً على مكان الألم: (هاتِ حبَّة “فاليوم”).

قفزتُ وأنا أبحث عن العُلبة، وأعطيتُه الحبَّة.

أعدتُ حبات الدواء إلى العلبة وأنا أسأله: ما الذي حدث؟!.. أرجوك ما بك يا حبيبي؟!..

قال: (الألم نفسه…).

أخذتُ بخاخ العطر، وصرتُ أرطِّب مكان الألم به.

جلس معتدلاً في السرير، وهو يضغط مكان الألم، وقال بتهدُّج: (لقد رأيت نفسي في اجتماع مع كبار المسؤولين، وكانت مناقشة حامية بيني وبين أحدهم.. قلت له: نحن لا نريد فلسفات لا يدري نتيجتها إلا الله.. نريد حلولاً سريعة، وواقعنا يفرض علينا أن نبدأ وننقذ بلادنا.. الكلُّ يخطط لفسادنا وإهلاكنا واستغلال ثرواتنا.. نحن نخسر الوقت، وليس في صالحنا أن نجرِّب هذا البرنامج أو ذاك المنهج.

نحن لدينا مُخطط من الله؛ نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، ومهما نُرد القوة بغيره يذلنا الله، ماذا كانوا؟!.. وماذا صاروا بالإسلام؟!.).

نظرتُ إليه بدهشةٍ قائلة: سيدنا أرجوك..!.

ثم تابع: (ذكرتُ له أننا الآن كطاحون الرَّحى تدور ليلاً ونهاراً، ولكن لا تتقدَّم شبراً.. لقد خطط الله لنا، ويجبُ أن نبقى ضمن هذا المخطط الإلهي.

التابع يقوده الآخرون إلى حيث يريدون، والتقليد إبطالٌ للعقل.. ألا يجب أخيراً أن نُبعث من قبور غفلاتنا؟.. من قبور جهالاتنا…! من قيود تقليدنا للآخرين..! ألا يجب أن نتحرر من تقزيم شخصيتنا..!).

كان يضغط على مكان الألم ولكنهَّ تابع: (الله لا يدلُّنا على شيء نخسرُ فيه، أمَّا النفسُ والهوى والأنانية وتحنيط العقل فلن توصلنا إلاَّ للخسارة الأكيدة).

الله لا يدلُّنا على شيء نخسرُ فيه، أمَّا النفسُ والهوى فلن توصلنا إلاَّ للخسارة الأكيدة

كنت أنظر إليه بدهشةٍ وحُزن وهمستُ له: حبيبي لقد تحمَّلتُ اتهاماتٍ لا يعلمُها إلا الله، لأُجَنِّبك الضيوف، ولأخفف عنك إرهاق الاجتماع إليهم حتى ترتاح، فكيف لي أن أُبعدَ عنك ضيوف الأحلام؟!..

ألا ترتاح قليلاً؟!.. والله حيَّرتني!.. ماذا أقول للطبيب؟!..

مسح على رأسي بودٍّ وقال: (يا بنتي؛ لا دواء لقلبي سوى نجاح الإسلام، وعودتنا إليه، وقيامنا بالدعوة ليلاً ونهاراً).

نظرتُ إليه حيرى قائلة: والآن ماذا نفعل؟.

أغمض عينيه، وهو يتذكر الجلسة والحديث الذي دار..، فسألتُهُ بحنان: هل أحضر لك شيئاً؟… ثم قمتُ وأعطيته ملعقة عسل يضعها تحت لسانه.

وصرتُ أضعُ له كمَّادات باردة على مكان الألم فخفَّ قليلاً، وربَّتَ على كتفي قائلاً: (الله يرضى عليك، لقد جئت سداداً من عوز، لقد أرسلك الله لي في الوقت المناسب لتخفِّفي عنّي، رضي الله عليك وعلى والديك وعلى الشيخ رمضان).

سألته: هل نتمشَّى قليلاً…؟ لأنَّ هذا كان يُخفف الألم أيضاً.

كان الهواء منعشاً…، قمنا إلى الشُّرفة، تمشينا وهو يتابع حديثه: (يا بنتي؛ الرَّجُل الرجل..، هو الذي يؤثِّر في زمانه ولا يتأثَّر بزمانه.. ما لا نتعلمه من الحكمة قد نتعلمه من المصائب والمشاكل التي ستحلُّ بنا من كل جانب، ولكن بعد فوات الأوان!…

ما لا نتعلمه من الحكمة قد نتعلمه من المصائب والمشاكل التي ستحلُّ بنا من كل جانب

الرَّجُل الرجل..، هو الذي يؤثِّر في زمانه ولا يتأثَّر بزمانه

يا بنتي طريق الورد أوله الشوك، ولكنَّ المجد في آخره…).

فصِرتُ أردِّدُ: الله يحميك بحِماه، يا سيدنا صحتك الآن هي الأهمّ… أنت رجل الإسلام، فإذا ذهب رجاله ضاع، لا بُدَّ أن تحرص على صحتك…

تابع وكأنَّه لم يسمعني: (الطفل يضع نفسه في الخطر لأنه جاهل ولأنه يستعمل حاسَّة واحدة حتى يفهم الأمور.

أما الرجل إذا كان عقله كبيراً، فيستعمل كل حواسه وعقله وبالعلم والاستقراء والدراسة يكتشف حقيقة الأمور ويتدبر نتائجها.

صلى الله على سيدنا محمد: «إذا أردتَ أمراً فتدبَّر عاقبته»([1]).

للأسف المسلمون الآن رجال الأجساد أطفال العقول.. بالإسلام والإيمان يصبح الطفل رجلاً فيعرف الحقائق ويتفهَّم برنامج الله الذي يوصلنا إلى النجاح يقيناً.. ولكنْ لا بُدَّ من المعلم المربي الذي يعلِّم الإسلام الحقيقي بحاله وعمله وقالِهِ وأخلاقِهِ).

جلسنا قليلاً…، كان الجوُّ رائعاً والقمرُ بدراً، صارَ يتنفس بقوّة وقال: (الحمد لله ذهب الألم).

نظرَ إلى السَّماء وقال: (ما شاء الله.. ما شاء الله..، البدر كامل).

فقلتُ لهُ مما علمني إيّاه:

بدْري أرقُّ معالماً     والفرقُ مثلُ الصُّبح ظاهرُ

ضحك مسروراً وقال:

(الله يرضى عليك وعلى فادي)… كان إذا سُرَّ مني يدعو لابني “فادي” حتى يُفرِحَني.

سُرِرْتُ حقاً وقلتُ: ما أروعَكَ وألطفك!…

أنا أغبط نفسي عليك وعلى لطفك وحنانك.

فقال: (يا بنتي قانون الله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!. ونبينا r يقول: «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فاذكروه، فمَنْ ذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره»([2]).

يا بنتي أفلا أكون عبداً شكوراً).

ردَّدت: الحمدُ لله.. الحمدُ لله…، ثم تمشَّينا إلى الغرفة وسُرعان ما ذهب في نوم عميق براحةٍ وهدوء.

صيف 1994

 

([1]) حديث عبد الله بن المسور الهاشمي: أخرجه ابن المبارك (1/14 رقم 41)، وهناد (1/301 رقم 531).

([2]) أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح، بلفظ: «من صنع…».

لن نكون سعداء دون الآخرين

لن نكون سعداء دون الآخرين
لن نكون سعداء دون الآخرين

لن نكون سعداء دون الآخرين

لن نكون سعداء دون الآخرينلقاء مع وزير الفاتيكان

 3/2/1997 الموافق 16/شوال/1417هـ

وصل الضيوف وأحزمتهم الفوشيا تتلألأ على وسطهم وهم يتفحصون المكان رحب بهم شيخنا ثم قال:

نتعاون على إنقاذ إنسان هذا العصر الذي صار بين يديه أسلحة لا تدمر الإنسان فقط بل تتعدى ذلك إلى الحيوان والنبات.

ولا دواء لتحقيق السلام إلا الإيمان الحي، ولا بد من وجهة نظري من إصلاح جذري لفهم وتطبيق الإسلام والمسيحية لنعود إلى الأصول التي تفرض علينا لا أن نتفق فقط بل تفرض علينا أن نكون شخصاً واحداً يقول رسولنا الكريم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([1])

لا دواء لتحقيق السلام إلا الإيمان الحي

والكرة الأرضية كانت كبيرة ومتباعدة والآن صارت بيتاً فإذا مرض واحدٌ مرض الجميع فيجب أن نبني كياننا على القيم الإلهية، فنحن أبناء الدينين يجب أن نفكر وبعمق بمسؤولياتنا أمام الله من أجل أن نلتقي في ظل الله الواحد الذي دعا إلى أن نحب قريبنا كما نحب أنفسنا فأكرر ترحيبي بالبطرك، فرد البطرك: أشكركم يا صاحب السماحة لإتاحة الفرصة لنا لمقابلتكم وكما أعلم أنكم اجتمعتم بالبابا بولس الثاني في روما وأُخبركم سلامه لكم وهو في صحة حسنة وبذاكرة جيدة وبنشاط جيد، رد شيخنا: أتمنى له الصحة الدائمة فتابع الضيف:

وعودة لما تفضلتم به بما يتعلق بالحوار الديني ليس فقط من أجل الدين بل أيضاً من أجل السلام، فشباب اليوم يعيش في جو وبيئة كلها صخب وضوضاء سواء من الموسيقا والتلفزيون والنت وأقول: إن هؤلاء شباب يخشون الصمت والسكوت فإذا لم يتحلَّ الإنسان بالصمت والسكون لن يستطيع أن يفكر ولا أن يصلي لذلك يجب علينا أن نرجع إلى إنسانيتنا الداخلية وأعماق كياننا الإنساني بالصمت والسكون لنستطيع أن نخاطب الله والأهم أن نستمع إليه.

قال شيخنا: الملحدون عُرض عليهم مفهوم الدين عرضاً خاطئاً لذلك طغى الخواء الروحي والتخبط في الحياة.

الملحدون عُرض عليهم مفهوم الدين عرضاً خاطئاً لذلك طغى الخواء الروحي في الحياة

الدين حسب ما أنزل الله عز وجل من أجل سعادة الإنسان ليس في روحه فقط بل وفي جسده وفي كل نواحي حياته، وقد زرت الكرملين مرتين وكان الحوار مرة ساعة مع نائب برجنيف، ومرة مع رئيس اتحاد القوميات فما كان نتيجة هذا الحوار إلا أن الأول قال: إذا كان الإيمان ما أسمعه منك فالإيمان شيء حسن وأرسل لي الآخر مع أحد تلامذتي قائلاً له: قل للمفتي أنا مؤمن.

نحن -المترجمين للدين- نحتاج إلى إتقان الترجمة العملية فنعمل بما قاله الأنبياء أن تحب قريبك كنفسك وكما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([2]).

وسائل الإعلام المعاصرة لو وجدت في زمن سيدنا المسيح أو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لانحلت كل الإشكالات .. وإذا نحن لم نحقق هذا الهدف فاعتقد أن سيدنا المسيح وسيدنا محمد سيكونان بريئان منا وضحك شيخنا.

قال السفير: في الحقيقة يجب أن نسعى وهذا أول واجب لنا، رد شيخنا مبتسماً: ومفتاح هذا العمل التلاقي المتواصل والحوار المركز لأننا كلنا يعلم تدهور الإنسان وبعده عن الله وما يحيط به من إغراءات وخطط شيطانية لإبعاده عن الدين.

سأل رئيس الوفد: ترى هل الجيل الصاعد ملتزم ومقبل على الحياة الدينية.

أجاب شيخنا: أتمنى لو تأتينا يوم الجمعة لترى الشباب والشابات المقبلين على الله، وحسب ما رأيت من أمريكا إلى اليابان وعبر الكرملن ما رأيت الإيمان ينهزم مع أنني اجتمعت بمئات من الناس من أكاديميين وجامعيين وملحدين وغير ملحدين.

من مميزات وحسنات عصرنا الذي يتميز به حتى عن عصور الأنبياء أن الإنسان مستعد ليسمع وليتعلم ما يجهل وخاصة انتشار ثورة الاتصالات الآن المهم نحن رجال الأديان أن نحسن ترجمة الدين لأن الله أنزله من السماء ليس لمصلحته ولكن لمصلحة الإنسان.

قال السفير: أشكركم كثيراً لهذا الحديث وهذه الأمور الهامة التي أثرتموها وأرجو أن يكون هذا الإسلام المتسامح في سورية مصدر إلهام لبقية الفئات الدينية في جميع أنحاء العالم.

رد شيخنا: (نحن لن نكون سعداء دون الآخرين) ولن (نكون سعداء وبيننا عداء فلنعمل مع بعض).

قال السفير: قرأت كتابك (طريق الحق) وكله مفاهيم رائعة وحلول مثالية لذلك يجب أن نسير على طريقك. ضحك شيخنا وقال: مرحباً وأهلاً بكم. وتبادلا الهدايا .

سمعت الوزير يقول لصحبه وهم يغادرون: إنه متكلم من عالم آخر من عالم السماء، عالم فوق إدراك العالم الآن، وعاد الأستاذ فاروق بعد توديعهم ليقول لشيخنا ما قاله ذلك الوزير لصحبه.

([1]) رواه البخاري (الأدب: 6101)، ومسلم (البر والصلة: 2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

([2]) متفق عليه.

لنعمل الممكن حتى نصل إلى المشتهى

الشيخ أحمد كفتارو
لنعمل الممكن حتى نصل إلى المشتهى

لنعمل الممكن حتى نصل إلى المشتهى

الشيخ أحمد كفتاروفي صباح ربيعي جميل استيقظ شيخنا نشيطاً.

ناداني، فأسرعت إليه أجيبه بأحلى الكلمات، وأنا أحمل له كأس الشـاي الأخضر المفضل لديه.

نظر إليَّ راضياً مبتسماً وهو يقول:

(الله يرضى عليك، ماذا تفعلين؟).

قلت له: عندي أخواتي الداعيات وقد أنهينا جلسة الذكر، وكنا نتذاكر محاضرة الجمعة الفائتة ووصلنا لقولك: (لنعمل الممكن حتى نصل إلى المشتهى،

سنة التدرج سنة الكون، وإلاَّ نضيِّع الممكن والمشتهى ونتحسّر على فوات كل شيء).

سُرَّ كثيراً وقال متفائلاً: (جعلكِ الله غيثاً أينما حللتِ، نبت بك الزرع وأثمر).

أجبته بحبور: اللهم آمين حتى ترضى عني دائماً.

فقال: (الحمد لله، { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } ([1])). ثم قام فتوضأ وصلى الضحى، ثم ألبسته ثيابه حتى نتمشَّى سوية في المزرعة.

تهيأت الأخوات للعودة فقد كنَّ مستعجلات، ولكنهن عندما علمن بعزم شيخنا على التَّجول في المزرعة تباطأن لعلهن يحظين بنصيحة منه أو تحية.

جلست وشيخنا على الكرسي بعد أن مشينا قليلاً، ثم ناداهنَّ ليأتين إليه.

تحلَّقْنَ حوله، وكان سعيداً بهنّ ثم بادرهنّ قائلاً:

(قولوا آمين).

فقلن بحبور: آمين.

فقال: (حقق الله أملي فيكنَّ حتى تكنَّ نوراً لأنفسكن ولغيركن).

صمت قليلاً ثم تابع:

(يا بنتي زارع الفل لا يجني شوكاً.

يقول ذو الجلال والإكرام: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}([2]).

وفي الأثر: «الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم»).

أغمض عينيه وقد فاض وجهه نوراً وقال:

(المعاملة مع الله، والله لا يُخدع ولا ينخدع.

المعاملة مع الله، والله لا يُخدع ولا ينخدع

ثم نظر إليهن واحدة واحدة وتابع:

يقف القطار في محطات كثيرة، فلا تدعي قطار العمر يتوقف بك إلا في آخر محطة وقد ملأته بالأعمال الصالحة.

تُرى ما هو وزنك عند الله قبل أن تأتي المحطة الأخيرة؟

هل تزكيت؟

أين المربي؟

المهم قلب مملوء بنور الله وذكره، وعقل يفقه حكمة القرآن والعمل بها، عندها تنطلق شرارة الدعوة وينبثق الإسلام شمساً تضيء وتدفئ المجتمع.

قلبي مملوء رجاء أن يكون هذا القرن هو قرن الإسلام.

اِلْزَمْنَ العمل والهمة، ولا تضيعن من أوقاتكن دقيقة واحدة.

بقدر الجد تُكتسب المعالي            ومن طلب العلا سهر الليالي

المسلم أينما وجد يتحول مجلسه إلى جامع، يجمع قلوب من حوله على محبة الله ورضاه.

المسلم أينما وجد يتحول مجلسه إلى جامع، يجمع قلوب من حوله على محبة الله

يقول تعالى: { وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ } ([3])؛ كل حركة من حركاته يحسب حساب الله خاصةً عندما يزين له الشيطانُ السوءَ حسناً).

حاولت الأخوات أن يغادرنه حتى لا يتعب فقلن له: اُدعُ لنا يا شيخنا.

فقال: (اسألن الله التوفيق؛ التوفيق يجعل المرَّ حلواً، والبعيد قريباً، والمكروه لنفسك محبوباً لها… واستعذن بالله من العُجب، العُجب يُحبط العمل، والكِبر أن تتكبر على الآخرين: أنا فلان، أنا فلانة! يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر»([4])، والله لو تقصدون الله كما تقصدون دنياكم لصرتم عظماء.

والله لو تقصدون الله كما تقصدون دنياكم لصرتم عظماء

إيمانك ودينك هو الأساس في الدنيا والآخرة.

العرب ما حُرموا الوصول إلا بإهمالهم وتركهم للأصول، وهي العلم والتزكية والحكمة).

ثم تابع بحزن:

(إذا فُقد الأصل فأي فائدة في الفروع؟

إذا فقدت الشجرة جذورها فأي فائدة وأي حياة في فروعها؟

إذا فقدت الشجرة جذورها فأي فائدة وأي حياة في فروعها؟

قانون الله أن تبذري وتسقي وتعتني فتحصدي ما تشتهين؛ ولكن الذي يخالف قانون الله والطبيعة لن يصل إلى ما يشتهي.

بقدر الكدّ تكسب المعالي.

ولكن ما الذي يمنعك؟… ما الحاجز؟…).

نظر متسائلاً: (هواك وأناك؟

إذا استجبت تَرْبَحي الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ  } ([5]).

عمارة المسجد ليست عمارة الجدران والبلوك، ولكن عمارة المسجد الحقيقة هي المعلم، وهو روح المسجد وأساسه، وثمرة التعليم بناء الإسلام.

يُعمَّر المسجد ببناء الإنسان المؤمن الحقيقي. الحل هو استعمال مخطط الله الذي نزل به القرآن  الكريم.

إذا أردتِ يحصل المراد، وإذا لم تريدي لا يحصل… الإرادة الدخول في العمل بالعزم والتصميم).

ثم نظر إلي باسماً: (يا بنتي أهم شيء الحب؛ الحب طريق التغيير إلى الأعلى وإلى الأسفل.

إذا أحببت العظيم وذكرت العظيم يكون التغيير إلى الأرقى والأسمى؛ ذكر الله طاقة تزودك بقدرات غير محدودة للتحليق والتفوق على النفس.

إذا أحببت العظيم وذكرت العظيم يكون التغيير إلى الأرقى والأسمى

أما إذا أحببت إنساناً ناقصاً فاسقاً فسينْزِل بك إلى أسفل السافلين.

حبُّ اللهِ هو الإيمان الذي يجعل إرادة الأطفال إرادة الأبطال، يرون جبال المصاعب كالسراب فيخترقونها ولا يرونها، هذه ثمرات الحب.

ذكر الله طاقة تزودك بقدرات غير محدودة للتحليق والتفوق على النفس

ثمرات حب الله أن تتفقدي إيمانك، أن تتفقدي الثمرات، يجب أن تكون حقيقة لا سراباً لا أصل لها ولا وجود… كلما كان المرء عظيماً كانت همته عظيمةً سامية).

صمت قليلاً ثم تابع بصوت متهدج:

(أنتن مؤتمنات). ورفع يديه داعياً: (أسأل الله أن يعطيني من الوقت لأتابع العمل الإسلامي.

الإيمان روح… الإنسان بلا إيمان جثة، الإنسان بلا إيمان ميت العزيمة، ميت الإرادة، ميت العمل، ميت الإنتاج.

الإنسان بلا إيمان ميت العزيمة، ميت الإرادة، ميت العمل، ميت الإنتاج

الإيمان روح… الإنسان بلا إيمان جثة

لعب، أكل، شرب، تناسل، مثل البراغيث والذباب.

الجامع موضع التعليم، كان الجامع المدرسة الأولى للصحابة، والرسول الهادي هو المعلم الأول… العلم لخدمة حياتنا وحياة الآخرين لإصلاحهم وتعليمهم والدفاع عنهم.

نحن الآن في صحراء؛ ليس فيها دليل!.

شمال جنوب شرق لا يعرف أين يتجه.

المهم أن يكون لديك الإرادة، ولكن إرادة بدون عمل هذه أمنية).

وعلا صوته قائلاً:

(الإرادة تثمر العمل بالتخطيط والتصميم.

إذا تمنى ولم يعمل، فهو يضحك على نفسه.

الأمنية: يريد ولا يعمل بالأسباب لتتحقق أمنيته.

إذا صدق يسبق الذي سبق، العبرة لمن صدق لا لمن سبق).

صمت قليلاً ثم قال ناصحاً:

(يجب ألا يعمينا المشتهى عن التدرج بالممكن.

التدرج والاستمرار سنة الكون، البذرة لا تكون شجرة إلا بالتدرج والاستمرار، والولد لا يكون في شهر واحد أو شهرين.

وانتبهوا للسوس من أول ثغرة حتى لا يكبر الأمر وتكون معالجته صعبة).

توقف شيخنا برهة ثم سألهن عن مستوى تعليمهن وعن حضورهن لمجالس العلم والذكر ثم قال: (العلم والقراءة لا يصنعان داعية، الذي يبني شخصية الداعية الحب والذكر؛ لأن الحب يربط بين المتحابين، ونتيجة الربط تختلف بحسب من يرتبط به الإنسان.

العلم والقراءة لا يصنعان داعية، الذي يبني شخصية الداعية الحب والذكر

يقول الرسول الكريم: «فلينظر أحدكم من يخالل»([6])، المهم الإخلاص.. والإخلاص مع الوعي.. بدون وعي قد يكون ضرراً وخطراً.

الاتجاه إلى الله بكل طاقتنا، والاتجاه إلى القلب بكل قدرتنا ليعطيه نشاطاً فيكونَ هو الذاكر الحقيقي.

نجاهد أنفسنا بكل قلوبنا ونعمل قدرتنا وننتظر الفيض من الله عند ذلك يُفاض علينا من الأنوار والعلم والحكمة.

يقول الله في الحديث القدسي: «أنا جليس من ذكرني…»([7])، من يجالس الله بقلبه وحواسه يُفيض الله عليه من العلوم والسعادة التي لا يعرفها إلا من ذاقها، هذا روح كل الأديان الإلهية). وتابع بقوة: (العبادات قالَب، وذكر الله هو القلب والروح.

العبادات قالَب، وذكر الله هو القلب والروح

السلام يبدأ من القلب والحرب تبدأ من القلب).

ثم نظر إليهنَّ آملاً: (قلبُكِ أرضكِ؛ ازرعي فيها ما تشائين لتحصدي ما تشائين.

كل قفل له مفتاحه الخاص؛ ولا تفتح كل الأبواب بمفتاح واحد.

الحكمة أن تخاطب الناس على قدر عقولهم؛ وبالحكمة والحب تُفتح كل الأبواب).

الحكمة أن تخاطب الناس على قدر عقولهم؛ وبالحكمة والحب تُفتح كل الأبواب

تهيأت الأخوات للذهاب، وقد مُلئن سعادةً وحبوراً وهن يدعون له بطول العمر والشفاء.

فقال خاتماً حديثه:

(لا أريد دعاءكن فقط، أريد عملكن أولاً).

([1]) سورة ص، الآية: (88).

([2]) سورة الأعراف، الآية: (58).

([3]) سورة التوبة، الآية: (18).

([4]) مسند الإمام أحمد بن حنبل، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

([5]) سورة التوبة، الآية: (18).

([6]) سنن أبي داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([7]) رواه الديلمي عن عائشة، والبيهقي في الشعب عن أبي بن كعب، ورواه الحاكم وصححه.

الهروب ليس حلأ

الهروب ليس حلا

مع اشتداد حرارة الجو في المزرعة استضافنا أحد الإخوان في بيت له في “حاليا” تغدينا عنده وصعدنا بعدها إلى الشقة لنرتاح قليلاً، أخذنا غفوة قصيرة ثم سمعنا صوت أذان العصر فقمت أتهيّأ للوضوء، فرأيت حشرة تتحرك وسط الغرفة تشبه العقرب صفراء كبيرة منفوخة الظهر، ندّت مني صرخة خوف لا حظ شيخنا رحمه الله اضطرابي فراقبني باسماً مشجعاً ومطمئناً لي بنظراته.

Continue reading

مدرسة الله

الشيخ أحمد كفتارو
مدرسة الله

مدرسة الله

الشيخ أحمد كفتاروبعد حوادث العراق طلب السفير البريطاني موعداً من سماحة الشيخ، وكان له ذلك.

ولما حان اللقاء وجاء السفير، استقبله سماحته في غرفة الضيوف.

كان السفير رجلاً أشيب الرأس طويل القامة.

دخل بصلف وسلم على شيخنا وعلى الحضور بلباقة وجلس وأسند ظهره جيداً ولف ساقاً على ساق ونظر إلى شيخنا بتعالٍ وكأنه يقول له:

وأنت ماذا عندك؟

رحب به شيخنا بلطف زائد.

بدأ الأستاذ فاروق مترجم شيخنا الحديث قائلاً أن السفير يفهم العربية لأنه درسها في مصر، وهو يستطيع أن يتكلمها ولكن بصعوبة.

قال شيخنا متوجهاً إليه: (لغات الإنسان كثيرة… ولغات الحيوان أكثر)، ثم نظر إلينا متسائلاً:

(كم لغة للحيوان يا ترى؟).

ضحكنا جميعاً، ولكنه تابع بقوة وهو ينظر في عيني السفير بثبات: (ما أحوج إنسان هذا العصر أن يتعلم اللغة الإنسانية، لغة الحب الإنساني، لغة حب الإنسان للإنسان، والمهم أن يفهمها الإنسان ويتخلق بها).

ما أحوج إنسان هذا العصر أن يتعلم اللغة الإنسانية، لغة الحب الإنساني

كنا سعداء جداً بالحديث الموجّه، وكنت أنظر إلى شيخنا بحنان، ثم نظرت إلى السفير فإذا به قد اعتدل في جلسته وأنزل ساقه وبدا الاهتمام على وجهه…

تابع شيخنا باسماً: (لا يمكن للإنسان أن يفهم اللغة الإنسانية إلا إذا خرج من الأنا إلى نحن، ولا يكون ذلك إلا إذا دخل مدرسة الأنبياء، مدرسة الله التي يعبر عنها بالدين من غير أن يختلف أحدهما عن الآخر لأنهم جميعاً تخرجوا من مدرسة واحدة).

لا يمكن للإنسان أن يفهم اللغة الإنسانية إلا إذا خرج من الأنا إلى نحن

انحنى السفير وبدا وجهه جدياً متفكراً، وتابع شيخنا وهو يهز رأسه: (والغاية أن يألف الإنسان الإنسان وينفع الإنسان الإنسان ويتعاون الإنسان مع الإنسان، وهذه التعاليم واضحة مثل النهار في الكتب المقدسة كلها، ألا يقول المسيح عليه السلام: “من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر؟” نحن نُضرب الآن على الخد الأيمن، ثم الأيسر، ثم على الرأس، فهل من يفعل ذلك بنا قد آمن بالمسيح أو يفعله بتعاليم المسيح؟).

حاول السفير أن يقول شيئاً ولكن شيخنا تابع بهدوء: (بالتقدم العلمي نسينا التقدم الروحي والأخلاقي، بقدر ما ترتقي الحضارة وتقنيتها بقدر ما تهوي الأرواح والإنسانية في حمأة الرذيلة وظلام المادة والظلم والتعدي، وهذه أول هزائم الحضارة الحديثة.

بالتقدم العلمي نسينا التقدم الروحي والأخلاقي

الإيمان كله حكمة، والحكمة معالجة العقل والرقي به، الحكمة أن تعمل ما ينفع نفسك وينفع الآخرين من حولك

 

العلم لا يفيد بلا إيمان، الهوى يغلب العلم ولكن الإيمان يغلب الهوى.

العلم لا يفيد بلا إيمان، الهوى يغلب العلم ولكن الإيمان يغلب الهوى

العلم أثبت ضرر المخدرات والمسكرات، وهو علم بدهي ومع ذلك نرى الإنسان يتعاطاه، أما المؤمن فيمتنع عنه امتثالاً لأمر الله لأنه أيقن بأنه وهبه العقل للإدراك فلماذا يلغيه؟

العلم وحده إذا لم يرافق الإيمان لا يفيد شيئاً.

لقد خدم العلم الإنسانية ولكن الآن مع التخلف الأخلاقي والتخلف الإيماني صار العلم خطراً وصار يؤذي الجميع).

قال السفير بسرعة: فعلاً القضية تحتاج إلى تفكير.

قال شيخنا باسماً: (تدمير البناء والإسمنت بسيط أمام تدمير الإنسان، طبيعة الإنسان، وطبيعة الحياة تقول: إن الضعيف مهما كان ضعيفاً عندما يقع في حالة اليأس لا يبقى في عقله تمييز بين الحلال والحرام، ولا يفكر بأخلاقية عمله أو لا أخلاقيته، وهذا ينطبق على قصة جارنا مع قطه!

فقد كان لجارنا في الحي قط أتعبه، وأراد أن يتخلص منه فحصره في غرفة وأمسك العصا يريد أن يضربه، وعندما لم يجد القط سوى العصا قفز إلى مكان مرتفع في الغرفة وانقضَّ على وجه صاحبه وكاد أن يؤذيه بشدة لولا أن جارنا استغاث بأهله فأنقذوه من القط!).

ضحك السفير وضحك شيخنا الذي تابع: (الشاهد من القصة أن الضعيف مهما كان ضعيفاً يمكنه بوجود هذه الوسائل المدمرة في عصرنا الحاضر أن يأخذ حقه بأية طريقة، ولذلك ربما يلجأ إلى العنف!).

هزَّ السفير رأسه بأسف وقال: هذه هي الحقيقة.

تابع شيخنا: (دعيت إلى مؤتمر البحر الأدرياتيكي حول الدين والعلم والبيئة، ما يهمهم هو تلوث البيئة التي تضر بالجسد، أما فساد البيئة التي تضر بالنفس الإنسانية وتسحقها فأين الاهتمام بها؟!!

فساد البيئة الأخلاقية والإنسانية التي جعلت الإنسان أخطر من كل الوحوش!

كم قتلت السباع منذ بدء الخليقة إلى الآن؟

ما قتله الإنسان من الإنسان أكثر مما قتلته السباع من الإنسان، فالإنسان وحش في أخلاقه وسلوكه، بل أكثر وحشية من الوحوش!

هذه الأسلحة التي صنعها الإنسان القوي استطاع الإنسان الضعيف أن يصل إليها ويدافع بها عن نفسه؛ وعندها سميتم دفاعه عن نفسه وحياته وأولاده إرهاباً!!.

لقد أوجدنا علاج ما يتعلق بالجسد، فأين ما يتعلق بأمراض النفس وطغيانها وعدوانها على الآخرين؟.

صار الإنسان حيواناً لا يعرف إلا متطلبات جسده، وصار شيطاناً، لا يعرف إلا إيذاء الآخرين.

لو وُجدت وسائل الإعلام هذه زمن الأنبياء لوحدوا العالم وجعلوا كل من فيه إخوة وأحباء!.

السلام أن لا يؤذي أحدنا الآخر، أما الإيمان بمعناه الحي والإسلام بمعناه الجامع لكل الأديان فهو أن يُسعد أحدنا كل الآخرين ويقدم لهم ما ينفعهم، بل ويرحمهم ويعطف عليهم، ليس أبناء وطنه فحسب، بل أبناء العالم أجمع، كما يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله»([1]).

الإيمان بمعناه الحي هو أن يُسعد أحدنا كل الآخرين ويقدم لهم ما ينفعهم

جعل الله محبته مكافأة لكل من ينفع خلقه.

أن نعيش جميعاً تحت ظلال التآخي والتراحم والعطف، فلا يكون هناك ظالم ومظلوم، بل إخوة متحابون.

إذا فهمنا تعاليم الله يجب أن نعمل نحو هذه الغاية، يجب أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرناً متميزاً في عصر الإنسان كما يحب الله والأنبياء.

هنالك نكون قد تقدمنا تقدماً كبيراً، تقدماً إنسانياً حقيقياً.

فليعمل كل واحد منا في حدود طاقته لتحقيق هذا الهدف وإلا فسيحل الدمار بنا جميعاً وسنقود العالم إلى كارثة وقيامة لن ينجو منها أحد).

قال السفير بحذر: أنت تعرف أن هذا التفكير الإيماني لا يملكه الكثير من العرب والمسلمين ولا يتعاملون به.

قال شيخنا وهو يجمع أصابعه محاولاً بلطف إقناع جليسه: (الإحباط الذي تلحظه في عقل الإنسان العربي والمسلم سببه غياب الأمل في انفراج الأمور مما أدى لليأس والانفجار، المشكلة تكمن في الوصول، وطريق الوصول إلى الحل).

قال السفير بسرعة وكأنه يريد أن يفرغ قناعاته: التخلص من الإرهاب هو الحل.

قال شيخنا بنفاد صبر: (استعمال كلمة إرهاب تزيد المشكلة ولا تحلّها، يجب أن نقول العدوان، بل العدوان هو أصعب وأخطر، وهو ما يحصل من القوي تجاه الضعيف.

دفاع المعتدى عليه نسميه إرهاباً، واعتداء الظالم نسميه تقدماً وتحضراً؟!!!).

ضحك شيخنا قليلاً ثم تابع بحدة: (العدل هو الذي يقضي على العدوان والإرهاب، والإسلام أمر بالعدل والإحسان، العدل أن تعاقب المعتدي بما يستحقه وليس معاقبة كل الناس.

السلام من أسماء الله تعالى، والله يأمر بالسلام، وإفشاء السلام، وتحية المسلم: السلام عليكم، يعني يمد يده للسلام والأمان، هذه تعاليم السماء من عند خالق الأكوان).

انحنى شيخنا إلى الأمام ونظر إلى محدثه ثم تابع: (يجب على الآخرين أن يدرسوا الإسلام دراسة صادقة جدية، دراسة واقعية عقلانية لكي يعرفوا الإسلام على حقيقته ولكي يطبقوا تعاليم الله بحقيقتها.

إن العودة إلى الإيمان توفر علينا المليارات، وتوفر علينا الوقت الغالي، وتبعدنا جميعاً عن كل الكوارث التي تجرها الحروب والأنانيات.

صارت المعجزات بيد إنسان هذا العصر.

الأنبياء تكلموا بلغة العقل والمنطق والعطف والحب لكل إنسان، الإيمان العقلاني المقنع هو دواءٌ للحروب وتوفير للميزانيات الحربية، فلو أنفقت تلك الأموال على الفقراء والجهلاء والمرضى لصار الإنسان إنساناً حقيقياً ولكانت حياتنا على هذا الكوكب جنة حقيقية ولكافأنا الله بعدها بجنة الأبد.

ما يحدث الآن هو أكثر وحشية من الوحوش، هل مات الضمير الإنساني؟.

هل تحوَّل الإنسان إلى حجر لا يتأثر بآلام المعذَّبين؟

لا يهمه مستقبل الإنسان مع هذا التقدم العلمي الذي استعملناه للشر ولتدمير الإنسان.

أول آية نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: }إقرأ{([2]) يعني تعلّم)، صمت شيخنا قليلاً ثم قال: (كم تسعد الإنسانية عندما تأخذ العلم بكافة جوانبه.

أول آية نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (إقرأ) يعني تعلّم

نحن بحاجة لِنَعْرِفْ ونُعَرِّفْ بتعاليم الله العظيم، وهذا أقرب الوسائل وأسهلها لتحقيق إنسانية الإنسان، ولن يتحقق السلام -وهو يخدم المصالح الاستعمارية- إلا إذا حققنا الإيمان الحقيقي، عندها سيتحقق الإخاء والحب والرحمة، وكما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([3]).

الإرهاب شجرة، ولا يكفي أن نقطع غصناً واحداً منها لنجتثها، بل يجب اجتثاث الشجرة بكاملها.

هذه كلها رشحات من قضية فلسطين، الفلسطينيون الذين اُحتلت أراضيهم من خمسين عاماً، وقتل أهلهم وأطفالهم رغم وجود مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة الذين شُلّوا من قبل أن يُوجَدوا.

إذا لم يُوجد العدل فلن يكون السلام مهما كان الجانب الآخر ضعيفاً.

حقاً وصل الإنسان إلى القمر، ولكنه لم يصل إلى العدل والرحمة، هذا تشويه لدين الله، حضارتنا مشوّهة الآن.

علينا أن نجدَّ ونعمل كلٌّ في حدود طاقته، ولا حدود لطاقة الإنسان إذا أراد.

في الأمثال: “شرارة تحرق حارة” فلنكن تلك الشرارة لنحرق الشر من جذوره.

ويقال: “جرثومة قد تفتك بمدينة” لذلك يجب أن لا نحتقر الشر والعدوان مهما كان قليلاً، فعلى ضوء ما وصل لأيدي الإنسان من الأسلحة الفتاكة يمكن للأمور أن تتأزم ويحل البلاء بالجميع.

الطريق واضح، ولكن هل نريد؟).

كرر شيخنا بهدوء:

(هل نريد بكل قلوبنا أن نصل إلى طريق النجاة؟.

إذا أردنا وصدقنا وصلنا.

بيدنا كل شيء ولكن الحقيقة أننا لا نريد الحق!

ونريد أن نستر الشمس برغيف!

قد نسترها عن أعيننا حتى لا نراها ولكن ذلك لن يُعدم وجود الشمس؟… القضية معقدة كثيراً إذا لم نُرِد، وسهلة جداً إذا أردنا).

قال السفير مرتبكاً ومتأثراً: رجال السياسة يتقنون لغة مختلفة عن لغة رجال الأديان، ولكن أرجو أن نصل جميعاً للغاية المشتركة النبيلة.

فردّ شيخنا: (إذا عدنا إلى ضمائرنا لا اختلاف، لأن رسولنا الكريم يقول: «استفت قلبك ولو أفتاك المفتون»([4])… ولكن أي قلب؟

المجرم إذا برأته المحكمة، ولو أعلنت الصحف أنه بريء، هل يصدق في قرارة نفسه أنه بريء؟

أرجو أن يُلهَم الجميع خدمة الإنسان والإنسانية بما ملّكهم الله من قوة وسلطان، ولا بد يوماً ما من فراق ذلك الجسد ولقاء الله، وعندها لن يكون لنا سوى أعمالنا، وحساب الله لنا ينتظرنا، ومصيرنا الأبدي نصنعه بأيدينا).

انحنى السفير باحترام شديد -لشدة ما تغير وجهه ولانت ملامحه المتصلبة- وقال هو يتأهب للوقوف:

كانت زيارة قصيرة، وأرجو أن تكون مثمرة.

ردَّ شيخنا: (يسرني تعرّفي عليكم، ويجب أن يتفهم كل واحد منا الآخر، كان هناك اختلاف في الرأي، ولكن أرجو أن تصبح الغاية الأخيرة واحدة، وأن يكون إجماعنا لإنقاذ العالم والإنسانية، وهو إنقاذ لنا جميعاً).

قال السفير: شكراً لكم.. سررت بزيارتكم.. لم أكن أتوقع ما سمعته، ولكن أنتم في الطريق الصحيح، شكراً لكم.. لقد غابت تلك الحقائق عن ضمائرنا.

أكرر أسفي واحترامي وشكري لكم.

([1]) المعجم الكبير للطبراني، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

([2]) سورة العلق، الآية: (1).

([3]) رواه البخاري (الأدب: 6101)، ومسلم (البر والصلة: 2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

([4]) سنن الترمذي، عن وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه.

ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفا

ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفا
ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفا

ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفا

ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفا

جلس شيخنا في باحة الطابق الأرضي في ظلِّ شجرة المشمش المتدلية أغصانها، كان الجو ربيعياً رائعاً… جلست بجانبه وهو يحمد الله على نعمه الكثيرة.

طلب من الشباب إحضار بعض الحبوب للحمام الذي تجمَّع حولنا… نظر إليهم سعيداً مبتهجاً.

كان بعض تلامذة الشيخ يُهيِّئون المكان لجلوس وفد من مجلس الكنائس الأمريكية وسكرتير السفير الأمريكي، ومجموعة من رجال السياسة والأعمال المهتمين بشؤون الشرق الأوسط.

بعد قليل وصل الوفد وكان عدده كبيراً، تقدَّم رئيس الوفد الذي كان قد زار شيخنا قبل سنوات وصافحه بودّ كبير، ثُمَّ فتح يديه ورفعهما عالياً وتنفَّس نسائم الطبيعة والجمال قائلاً:

“من الرائع أن نلقاكم وأنتم بخير وصحّةٍ جيدة.

حقاً إننا مسرورون لزيارتكم مرةً أخرى.

إنه لمن الممتع أن نسمعكم ثانيةً لتقوى همتنا لعمل شيء يُنقذ البشرية.

نحن فعلاً محظوظون بلقائكم…”.

رحَّب بهم شيخنا مبتسماً…

جلس الجميع على السجاد متحلِّقين حول الشيخ، وكلُّ واحد منهم يحمل مفكرته وقلمه وآلة التصوير.

كانوا مسرورين باللقاء، يتفحَّصون بتمعُّن كلّ شيء حولهم.

رحَّب بهم شيخنا ثانية قائلاً: (كان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يدعو بعد كُلِّ صلاة «اللهم ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ ومليكه، أشهد بأنَّك أنت الإله وحدك لا شريك لك وأنَّ عبادك كلهم إخوة»([1])).

وكرر بتأنٍّ: («وأنَّ عبادك كلهم إخوة».

فما أحوج إنسان هذا العصر إلى هذا المعنى الذي أتت به رسل الله جميعاً من قبل…

وأعتقد أننا رجال الدين نتحمَّل مسؤولية كبيرة في تحقيق هذا المعنى من الكلمات والأفكار وتحويله إلى واقع وعمل.

ولن يتحقق السلام وتنتهي الحروب والمجاعات والفقر إلا عن طريق الإيمان، والإيمان فقط، كما قال رسولنا الكريم: «ما آمن بي ساعة من نهار من أمسى شبعان وجاره جائع وهو يعلم»([2]).

لن يتحقق السلام وتنتهي الحروب والمجاعات والفقر إلا عن طريق الإيمان

كما قال ذلك من قبل إبراهيم وعيسى عليهما السلام: “أن تحبَّ قريبك كنفسك”([3]).

نحن بصورة خاصة رجال الدين المسلمين والمسيحيين ينبغي أن نشعر بهذه المسؤولية، ولا بُدَّ من وجهة نظري من إيجاد ثورة روحية دينية تجمع شتات الإنسان الذي شرد عن الله، وانغمس في الأخطاء.

ونحن السبب في ذلك!.. لأنَّ الأنبياء كلهم ما جاؤوا إلا من أجل إسعاد الإنسان وبنائه، ولقد خاطبونا بالعقل والحجة لننعم بالحياة الصافية الروحية مع الله).

اعتدل شيخنا في جلسته وتابع باسماً: (الإسلام يعتبر الإيمان بكل الرسل، وخاصة المذكورين في القرآن أساساً في الإسلام.

وكان سيدنا عليٌّ رضي الله عنه الخليفة الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يُخاطب المسيحي: “إننا لا ننهاك عن المسيحية بل نأمرك بها”([4]).

وفي قرآننا الكريم نجد ثاني أكبر سورة من سور القرآن عنوانها: آل عمران “عائلة المسيح”، وسورة أخرى باسم مريم “أم المسيح” وولادة عيسى عليه السلام.

أفلا يتوجب علينا إذا أن نلتقي ولو بهذا القدر المشترك؟!..

ونجدد الآراء العتيقة التي دخلت على ينبوع الدين الصافي وعكرته أمام العقل والفكر.

فالقرآن الكريم يجعلنا عائلة واحدة، وتعاليمه أصيلة لم تتغيَّر أبداً من بدء الخليقة، والله خلقنا لنتعارف ونتحابَّ ونعين بعضنا بعضاً).

ونظر إلى الجميع وكأنَّه يُحمِّلهم مسؤولية ما يحدث قائلاً: (لقد ابتعد الدِّين كثيراً عن العقل!.. بل لقد حصل ما هو أخطر من ذلك!.. فقد وقع الإنسان فيما حرَّمه الله عليه من الكبائر والجرائم والحروب، وعلينا مسؤولية كبيرة أمام الله، وسيسألنا عنها ويحاسبنا عليها).

وتابع باسماً: (وأتمنى لو كانت صحّتي جيدة لكنت جئت إليكم، وأحكمنا العمل سويَّة.

ولقد زرت أمريكا أربع مرات، ومكثتُ في الزيارة الأولى شهرين أحاضر في جامعات البحيرات الكبرى عن الإسلام وحقيقة الإيمان وأصالته، وكيف يمكن العودة إليه.

أنتم الآن شباب ما شاء الله، وأرجوا أن تُثمر جهودكم في إنقاذ البشرية من شرورها، وأهلاً وسهلاً بكم).

قال رئيس الوفد: “في الحقيقة ما تفضَّلتم به من كلمات تضعنا أمام تحدٍّ كبير، لأننا مقصِّرون جداً في تحقيق المراد الإلهي، وعلينا أن نبذل أكثر وأكثر.

وإنَّ أحد مهام مؤسستنا التي نعمل من خلالها: أن نُخفِّف من الجوع في العالم. ورُغم جهودنا البالغة، لم نستطع أن نحقق هذه المهمة على الوجه الأكمل للقضاء على الجوع العالمي”.

قال شيخنا مشجعاً: (يقول ربُّنا عز وجل: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ }([5]). فالله لا يضيع الأجر ولو كان البذل قليلاً، ويقول رسولنا الكريم: «درهم سبق ألف درهم»([6])، فالذي لا يملك إلا درهمين أنفق نصف ماله، والذي يملك المليون أنفق ألف درهم، كلاهما بذل بالقدر الذي يستطيع، والله ينظر إلى البداية وإلى النية والعمل الدؤوب.

فالعطاء لا بُدَّ أن يُثمر ولو كانت البداية متواضعة والله يُعطي الأجر الكبير على كل خير نفعله ولو كان قليلاً.

وعندما نبذل ما في وسعنا يُساعدنا الله ويتمم عملنا، كما قال رسولنا الكريم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»([7])).

عندما نبذل ما في وسعنا يُساعدنا الله ويتمم عملنا

كان الجميع يدوِّنون الكلمات المترجمة، وهم يرنون بحب وإعجاب إلى الشيخ.. فتابع: (وأتمنى أن يكون هناك مجلسٌ مشتركٌ للتعاون الإسلامي المسيحي، لنعرف بعضنا بعضاً، ورسولنا الكريم يقول: «يدُ الله مع الجماعة»([8])، «وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»([9]). فيجب أن نكون معاً في مواجهة تلك المحن والمجاعات التي تحلُّ بالعالم قبل أن تقضي علينا جميعاً).

قال أحد رجال الوفد: “في الحقيقة هذا فكرٌ رائع وعظيم!…

ويجبُ فعلاً أن نتعاون معاً لتحسين الواقع الحياتي لكل أبناء الله.

فالمسيح يقول: جعتُ فأطعمتموني، وعريتُ فكسوتموني، ومرضت فعدتموني. فقالوا: أيُّها الرَّب، إننا لم نفعل ذلك معك!.. فكيف تمَّ ذلك؟!. قال: نعم، لكم إخوة وأخوات وقعوا في المرض والحاجة، فزرتموهم وأعطيتموهم، فكأنَّما أعطيتموني ذلك”.

قال شيخنا: (وهذا المعنى أيضاً في الإسلام… فالله يعاتب الإنسان الجاهل بربه ودينه يوم القيامة بقوله: «يا ابن آدم جعت فلم تطعمني، فيقول: يا ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله تعالى: أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه، أما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي»([10])).

ثم ضحك شيخنا قائلاً: (الماء من ينبوع واحد، ولكن ألوان الكؤوس تختلف!… فما أجمل اليوم الذي تتلاقى فيه الرسالتان السماويتان من أجل تقدم الإنسان وسعادته.

وأعتقد أن ذلك اليوم سيكون احتفالَ السماء والأرض.

كما نشكر الإخوة لما يقومون به من جهود لخدمة البشرية وندعو الله أن يوفقنا أيضاً لإطعام جياع الإيمان.

وهذا الأهمُّ للرجوع بهم إلى الله الواحد الأحد حتى تلفَّهم الطمأنينة بعد هذا القلق والخراب.

ولفهم تعاليمه الأصيلة التي تؤمِّن للبشرية سعادتها ورُقيّها وسلامتها).

ثم تابع شيخنا بجدِّية وقد شبَّك أصابعه: (الإسلام يسعى إلى هذا الأمر في القرآن الكريم ضمن برنامج كامل، والأمر مهيَّأ تماماً.

ولكن نحتاج لأن نبدأ هذا العمل، وبذلك نخدم الإيمان والسَّلام بالواقع والعمل، وليس بالعواطف فقط.

وما زلتُ أدعو إلى هذا التعاون والسَّلام منذ أربعين سنة، وفي الحقيقة علينا أن نساعد بعضنا بعضاً، وأن نبني كياننا على القيم الربَّانية الأصليَّة.

وأرجو من الله أن أرى قطار الإيمان قد بدأ يسير بدولابه على السكَّة الربانية قبل أن ألقى الله.

كما أرجو أن نحظى بقائد حكيم لهذا القطار، يُحسن القيادة نحو هذا الهدف الذي عمل له الأنبياء جميعاً بوصاياهم وتعاليمهم التي أنزلها الله الواحد الأحد عليهم، ونقلوها لنا صافية من كل شائبة… وكلها تفرض علينا، ليس الاتفاق والتعاون فقط.. بل أن نكون شخصاً واحداً وبالحبِّ والرحمة… كما وصف ذلك رسولنا الكريم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([11]).

ثُمَّ قال رئيس الوفد: “لدى اندلاع العنف الأخير في القدس انزعج كثيرٌ من الأمريكيين، فانتهزنا الفرصة لنعبِّر للرئيس كلينتون عن اهتماماتنا وقلقنا ورغبتنا أن تكون القدس لكل الأطراف، ولكل أبناء الديانات الثلاث. وبلَّغناه معارضتنا لأيِّ عمل يُغيِّر من وضع القدس، واستنكارنا لأيِّ عمل يُبعدُ الفلسطينيين عن القدس التي هي موطنهم الأصلي.

وقد وقّع العريضة ثلاثة وثلاثون قائداً لثلاثين كنيسة من مجلس الكنائس تحتَ رعاية سكرتير عام مجلس الكنائس القومي، وسُلِّمت شخصياً للرئيس كلينتون”.

كان شيخنا ينظر باهتمام، ثم قال: (نحن نقدِّر هذا العمل، ونشكركم على مناصرة الحق والحقيقة).

وتابع موضحاً: (بلادُ الشام تشمل فلسطين وجيرانها. وما من نبيٍّ إلا منها أو هاجر إليها… لذلك يجب أن تكون القدس عالمية وللأديان الثلاث، وألا يُحرمَ أهلها الأصليون منها!.. وهم الآن ضعفاء ومُضطهدون، ولكن الضعيف لا يبقى ضعيفاً، والمظلوم لا يبقى مظلوماً… وستبقى تلك الاضطهادات بؤرة لتعكير سلام المحتل واستقراره.

وأرجو مِمَّن يؤججون هذه الحروب أن يُلهَموا الصواب لإعادة الحق إلى أصحابه).

وتساءل: (ألا تكفي خمسون سنة من الحروب وسفك الدماء وتشريد السكان الأصليين وتيتيم الأطفال وترميل النساء؟!..

هذا ليس من مصلحة اليهود، لأنَّهُ لا بُدَّ من أن تعود دائرة السوء عليهم، وكما تدين تدان، والتاريخ شاهدٌ على أمثلة كثيرة.

ويجب على كل من يملك الطاقة والقدرة على إحقاق الحق والعدل الذي هو شرع الله ووصايا رسله).

كان الجميع يسجلون الكلمات بتأثر وحضور بالغ بينما تابع شيخنا آملاً: (نرجو الله العظيم أن يُلهم الإنسان أن يعود إلى مدرسة الله، ويُلهمنا نحن رجال الأديان أن نفقه الهداية الإلهية ونطبقها ونعلمها للآخرين.. ليحل أخيراً ليس الإيمان فقط، بل وثمرته: السلام، والإخاء، والرحمة).

أومأ الجميع موافقين، ثم قال: (لقد زرت في أسفاري معظم بلدان العالم، والتقيت برجال دين وسياسة، حتى في روسيا الشيوعية التقيت في الكرملين أكثر من مرة بكبار الشيوعيين، وجرى حوار بيني وبين قادتهم ساعات وفي أوقات مختلفة، فرأيتهم يقبلون الإيمان النقي الصافي الصحيح البعيد عن كل التأولات والتشويهات).

وضمَّ يديه قائلاً: (وأنا شخصياً متفائل دائماً، وأقولُ في كل محاضراتي: إن القرن الواحد والعشرين قرن الإيمان الحقيقي، كما أن أحاديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تنبِّئ بأنه سيتمُّ لقاء الإسلام والمسيحية هُنا في دمشق، ويجب علينا نحن رجال الدين أن نهيئ الجو لذلك، ونعبِّد طريق اللقاء والتعاون وعودة السَّلام والحب لكل البشر).

سُرَّ رئيس الوفد كثيراً وقال: تحضرني كلمات القديس بولس إذ يقول: إنَّ من ثمار الإيمان أن يكون هناك الحبور والسعادة، وضبط النفس، والصبر واللطف، وكل الأخلاق الكريمة… وبدونها لا يمكن أن يكون هناك إيمان.

ابتسم شيخنا قائلاً: (هذه الكلمات كلها من منبع واحد، ونبع الله لا يتغيَّر… والإنسان هو الذي غيَّر الأصول، ولذلك نحتاج إلى تصفية وتنقية، وأن نعود إلى الإيمان الأصيل الذي نزل من السماء وبذلك نكسب حياة الأرض وحياة السماء).

وقف الجميع مسرورين مودِّعين…

قال رئيس الوفد: “نشكر سماحتكم على هذا الحديث الرائع.

أنتم تنظرون برؤية مستقبلية ربَّانية.

نودُّ من كلِّ قلوبنا أن نراكم في أمريكا لنُحقِّق ما سمعناه منكم”.

رحَّب بهم الشيخ ثانية: (أهلاً وسهلاً بكم جميعاً.. وإلى لقاء آخر وجهود مباركة لإعادة البشرية إلى الإيمان الحقيقي الأصيل وإلى عبادة الواحد الأحد وامتثال أوامره.. اللهمَّ آمين).

([1]) رواه الإمام أحمد وأبو داود.

([2]) رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن من حديث أنس.

([3]) متى (19:19)، ولاوييز (19: 18).

([4]) وهو قول الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه للمقوقس، انظر: زاد المعاد لابن القيم الجوزية 3/961.

([5]) سورة الزلزلة، الآية: (7).

([6]) أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم.

([7]) رواه مسلم في الصحيح.

([8]) رواه البيهقي.

([9]) رواه أبو داود والنسائي وأحمد.

([10]) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: “استطعمتك فلم تطعمني”.

([11]) رواه البخاري (الأدب: 6101)، ومسلم (البر والصلة: 2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

التصوف كان دواء فجعلوه داءً وكسلاً

التصوف كان دواءا
التصوف كان دواء فجعلوه داء و كسلا

التصوف كان دواء فجعلوه داءً وكسلاً

صيف 1996

التصوف كان دواءاوصلنا الخرطوم عاصمة السودان الشقيق في وقت متأخر من الليل كان الجو حاراً جداً، والتعب قد بلغ منا مبلغاً وبينما نحن في الانتظار في بهو الفندق سمعنا أحد علمائنا يقول للعالم الإيراني آية الله محمد علي تسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية:

عندكم الرضاع يتم التحريم باثنتي عشرة رضعة وعندنا الشافعي بعده رضعات وكرر عندنا وعندكم.

استثارت تلك الكلمات نظر شيخنا متعجباً من نوعية الحديث بدلاً من كلمات الود والترحيب. قلت لشيخنا في المصعد: ما شاء الله هل هذا حديث التقريب والتوحيد؟!

فقال آسفاً: يا بنتي هذه بضاعتهم وليس عندهم غيرها، فالكثير من الخلافات السياسية اليوم تعود إلى أسباب مذهبية حتى أنّ بعض الفقهاء يقوم بكل أسف بإذكاء نار هذه القطيعة وتوفير المبررات والحجج التي تكرس ذلك وتحول دون الوفاق بين آراء الناس.

صلينا العشاء والمغرب وما لبثنا أن نمنا سريعاً، كانت شرفات الفندق تطل على أرض شبه صحراوية وضحت مع إشراقة الصباح، تناولنا الفطور ثم تمشيت قليلاً بينما كان شيخنا في قيلولة قصيرة، حاولت استطلاع المكان، الطريق مقفر، والأرض بور، لا زراعة ولا أشجار إلا ما نذر مع أن نهر النيل يتدفق والفلاحون يفترشون الأرض على دفتيه ينشدون مواويلاً صوفية مستمتعين بصوت مياه النهر الذي كان يستنهضهم للعمل ولكن لا مجيب؟!

عدت إلى الفندق وذكرت ذلك لشيخنا. هز رأسه أسفاً قائلاً: لا بد من إعادة العمل الصوفي حسب المنهاج القرآني الكريم والسنة النبوية، فليس التصوف إلا تزكية للنفس مع العمل بفقه الحياة والحكمة لبناء مجد الأمة الإسلامية وقوتها ثم توجهنا إلى مدرج المؤتمرات حيث وصلنا ظهراً، وبدأت المحاضرات من المدعوين وأثناء إلقاء إحداها دوّى صوت في المدرج، وإذا به شاب قصير نحيل شديد السمرة يقفز من أعلى المدرج إلى مقعد شيخنا رحمه الله قريباً من المنصة وهو يتراقص وينادي الله الله الله.

دهش الجميع لمرآه وغرابة صوته. وقابله شيخنا بابتسامة هادئة عندها قال الشيخ بشير الباني رحمه الله:

“والله يا شيخنا كان هذا حالنا ولولاكم لبقينا على هذا فإن العزلة والخلوة والذكر والكشوف والأحوال حال لذيذٌ حقاً بعيداً عن الناس والمشاكل ولكنك قلت لنا: ليس هذا كل شيء في الدين، وليس لهذا خلقنا، وليست تلك مهمة الأنبياء والمؤمنين {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }([1]).

و{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }([2]).

الذكر والأذكار والخلوات طاقة روحانية لنحِبَّ الله حقاً ونحبِّب الخلق به وننطلق إلى العمل وإعمار الكون والدعوة إلى الله.

ردد شيخنا مؤكداً: يا بني الذكر مدرسة لمعرفة الله فامتثال أوامره عشقاً وتلذذاً، ولمعرفة حقيقة كل أمر لتصبح غايته واضحة لرفع الغشاوة عن القلب وإيصال نور الله وعظمته وهيبته، ليكون لنا محبة الله الحقيقية التي توصل للخضوع القلبي لأوامر الله قبل الخضوع الجسدي.

الذكر مدرسة لمعرفة الله فامتثال أوامره عشقاً وتلذذاً

نفدت تلك الكلمات أسماع بعض الحضور فتحلقوا حوله لسماعه فأكمل قائلاً:

أهل التصوف اشتغلوا بإسلام الروح وسكروا بنعيمه حتى غابت جوانب الإسلام الأخرى، تركوا أمور الحياة باسم الزهد، وغفلوا باسم التوكل عن الأسباب والمسببات، تركوا عقولهم وواجباتهم وما أراد الله لهم لتعمير الكون والحياة فتخلفوا وضعفوا وصاروا على الحال الذي هم عليه، فهل هكذا تعامل العرب الأول مع الخطاب القرآني؟

منهاج القرآن جمع خيري الدنيا والآخرة فكانت لهم نقلة الحضارة في دينهم ودنياهم، فالقلب للتزكية والعقل للحكمة والجسد للعمل والبناء، وهذا هو جوهر التصوف، يقول الله تعالى واصفاً المؤمنين الحقيقيين:

{ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ }([3]).

لم يقل لا يتاجرون ولا يعملون بل قال:

إنهم في تجارتهم هم مع الله في بيعهم مع الله يتذكرون الله ويراعون حدوده، راقبوه عشقاً وخضوعاً وعملاً وتعميراً وبناءً دعوا إلى الله بحالهم قبل قالهم فكانوا يؤثِّرون في كلِّ من حولهم، فقاموا وفتحوا العالم وملؤوا الدنيا علماً وحضارةً، ترجموا كتب الحضارات الأولى واستمدوا منها ما يوافق إيمانهم.

منهاج القرآن جمع خيري الدنيا والآخرة

علَّق أحد الدعاة السودانيين: نحن في السودان التصوف خرب علينا، قال شيخنا رحمه الله: ليس التصوف بل عدم فقه جوهر التَّصوف وغايته كان دواء فجعلوه داءً، جعلوه هلاكاً وكسلاً وخمولاً، وقفوا عند القلوب وعند الحياة الروحية، لم يكملوا مدرسة القرآن، كرامات وروحانيات وغيبيات، لا فاعلين ولا متفاعلين ولا عاملين، ظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام فصاروا في آخر الأمم.

جاء أحدهم بكأس عصير لشيخنا رحمه الله فتابع شيخنا وهو يحمل الكأس:

يا بني الإيمان الحي القلبي لا يمكن أن يتخلف عن العمل الصالح النافع للمجتمع، الإيمان الحي خلق حسن، وكلمة بالغة، ودعوة إلى الله، وكله تقدم للمجتمع وإصلاح للبشرية.

انتهى الحفل وسار مع شيخنا مجموعة من الدعاة والعلماء.

فقال شيخنا: أقوى قوة قوةُ الفهم افهموا زمانكم ومكانكم وإمكانكم، بناء الأمم له وسائله القلبية والروحية والعقلية والعلمية والصناعية والأخلاقية واتصال بالله في كل نفس من الأنفاس نحن مأمورون أن نفعل الممكن حتى ننجح، المؤمن الحق هو من يلهمه الله مبكراً أن لا ينفق عمره فيما لا يستحق قال تعالى عن سيدنا إبراهيم { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ }([4]) إني ذاهب الهداية والحكمة لا تنزل عليك وأنت نام لأن حياة الروح حياة للعقل والهمة فاسعَ لها لتنالها، وكل ما خرج عن الحكمة والعمل والجد خرج عن التطبيق الإسلامي، وفي دائرة ما نستطيع حدود القدرة نحن نوسعها ونحن قد نشلّها.

المؤمن الحق هو من يلهمه الله مبكراً أن لا ينفق عمره فيما لا يستحق

وصلنا الفندق وقد وقفت مجموعة من السودانيين ينشدون ويتمايلون فقال شيخنا: لا نريد أحوالاً نريد أعمالاً هذه كلها حقن تخدير تلهينا عن الواقع الأليم الذي نعيشه، وعن استثمار مواردنا وكنوزنا، الإيمان والإحسان عملان لتحمل مسؤولية الإسلام المسلم أمة يصنع العقول والقلوب والهمم ويبني كيان الأمة الديني والدنيوي.

المسلم أمة يصنع العقول والقلوب والهمم ويبني كيان الأمة الديني والدنيوي

سلم الصحب المرافق على شيخنا ودخل كل غرفته.

([1]) سورة النور، الآية: (54).

([2]) سورة الأحزاب، الآية: (21).

([3]) سورة النور، الآية: (37).

([4]) سورة الصافات، الآية: (99).

حياة الوردة

حياة الوردة
حياة الوردة

حياة الوردة

حياة الوردة

كان الجو صباح الجمعة حاراً جداً.

وكان شيخنا متعباً، فقد جاوز التسعين، ولم ينم معظم ليله وهو يعاني تقطعاً في دقات القلب وقد تناول الكثير من أدويته.

جعل يتحسس صدره ويحاول الضغط عليه.

سألته بلهفة وقلق: أرجوك ما بك؟

فقال بغير اهتمام: (إنه ألم قديم).

بدأ ذلك الألم بعد إحدى سفراته إلى بيروت لمعالجة والده الشيخ أمين -رحمه الله- لقد كان الجو بارداً جداً وكان زجاج نافذة السيارة مكسوراً فقام شيخنا بسدّ النافذه بصدره طوال الرحلة خوفاً على والده وشيخه.

اغرورقت عيناي وقلت متوسلة: أرجوك ارتح قليلاً، أرجوك نم قليلاً.

فنظر إليَّ حانقاً: (ليس لي رغبة بالنوم، كفاني نوماً، غداً سننام طويلاً).

فقلت حيرى: والله حيرتني ماذا أفعل؟

فقال باسماً حانياً: (الله يرضى عليك).

جاء الدكتور “أويس” ونصح شيخنا بعدم الذهاب لإعطاء درس الجمعة لأن الجو حارٌّ جداً، ولأن ازدحام الجامع سيزيد رطوبة الجو وحرارته وبالتالي سيزداد تعبه، ولكنه أصرَّ على الذهاب، وقال بأنه تخلف عن واجبه الأسبوع الفائت بسبب الحر، واليوم سيحضر المحاضرة وفد كبير من أساتذة الجامعات ومسؤولون من هيئة الأمم المتحدة، لذلك لا بد من الذهاب للمحاضرة.

رجوته كثيراً، فصار يردد: (سبحان الله.. سبحان الله.. كان يجب أن نسافر إليهم لنعرّفهم بالإسلام، الآن يأتون إلينا ونتأخر عليهم!..

هذا فرض يابنتي، هذه فرصة للتعريف بالإسلام).

ثم قام وهو يحاول إظهار النشاط، توضأ وصلى الضحى ثم نزلنا بالسيارة.

كان يضع يده على جبينه ورأسه ويردد:

(سبحان الله الحمد لله).

رجوته أن لا يطيل الدرس فردّ مشفقاً عليّ:

(إن شاء الله، إن شاء الله).

بدأ الدرس، وطال الدرس ولم يحضر الوفد لتأخره في تدمر -كما قالوا- فوعدهم مساءً.

عند العودة كان متعباً، تناول لقيمات وصلى العصر ونام طويلاً، وعند استيقظ قال بلهفة:

(هل جاؤوا؟).

فأجبته بأنه قد تم تأخير الموعد إلى صباح السبت -مع أننا لم نكن نَعِدْ أحداً يوم السبت بناءً على تعليمات الأطباء وذلك ليرتاح من مجهود يوم الجمعة- عندها ظلّ ممداً مرتاحاً حتى المغرب.

كنت أتفقّد نبضه وضغطه من حين لآخر وهو مغمض العينين ذاهل عن كل شيء سوى الحوار الذي سيجري غداً.

في المساء كان نومه قلقاً، كنت أحسّ بتعبه فقد كان يتنفس بقوة وبصوت مسموع، كنت ألمسه برفق لأطمئن عليه فيقول: لا تخافي أنا بخير.

استيقظ لصلاة التهجّد والفجر رغم تعبه، وصار يتحسّر لأنه في الشباب كان يستيقظ قبل الفجر بثلاث ساعات، ثم بعد الفطور تناول أدويته ونام طويلاً.

بقيت بجانبه قلقة، ولم أستطع إغماض عيني خوفاً عليه.

وصل الوفد وصار يتجول في المزرعة، وتساءل الإخوان هل استيقظ شيخنا؟

كان ما يزال نائماً، ولكني خفت أن ينْزعج إن هو تأخر عن موعده، فدخلت الغرفة مشفقة عليه، وحاولت أن أتحرك محدثة حركة خفيفة عله يستيقظ بنفسه.

فتح عينيه قليلاً وسألني: (وصل الوفد؟).

فأشرت له: نعم.

فرفع صوته بحدة متسائلاً: (هل وصل الوفد؟).

قلت وجلة: نعم، نعم، الآن وصل.

فقام بلهفة وساعدته في ارتداء لباسه، وتقدم إلى غرفة الضيوف بسعادة وعنفوان أنساني بهما تعبه ومرضه.

ما إن استقر في جلوسه وشمّ وردته المفضّلة بعمق وكأنه يهدّئ ألم قلبه برائحتها الزكية حتى دخل الضيوف بهدوء وسكون.

كانوا يحيوننا بإيماءة خفيفة، وقد وضعت نساء الوفد غطاءً على رؤوسهن هيبةً واحتراماً.

بعد تبادل التحيات قدّم شيخنا لرئيس الوفد وردةً أخرى رائعة ذات رائحة جميلة قائلاً بصوت متعب: (هذه حياة الإنسان بهذا الجسد على هذا الكوكب).

فأجاب رئيس الوفد مغتماً ومبدياً أسفه:

فعلاً لسوء الحظ، إنها حياة قصيرة جداً.

ردَّ شيخنا مبتسماً وكأنه استعاد نشاطه:

(لا.. أبداً.. هذه الحياة جعلها الله للإنسان تمهيداً واستعداداً لحياة أرقى وأجمل).

حياة الأبد.. وجنة الأبد.

نظر الضيف إليه ملياً متفكراً.

ثم تابع شيخنا ضاحكاً: (بشرط أن يدرس الإنسان بجدٍ وعمل في مدرسة الله حتى يصير إنساناً حقيقياً،… خلق الله هذا الإنسان وأرسل إليه خريطة النجاح والسعادة بوساطة أنبيائه،… غداً عندما نخرج من هذا الجسد، هذا الجسد من التراب وإلى التراب يعود، تعود أرواحنا إلى بارئها إلى ملكوت السموات والأرض، لتحصد ما زرعت على هذا الكوكب إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولو كان مثقال ذرة).

تمتم معظم أفراد الوفد بعبارةٍ غير مفهومة!!!

نظر شيخنا للضيوف مبتسماً مطمئناً وتابع وقد تهدج صوته: (الجنة ممنوعة علينا ما لم نتحابّ في الله ونعيد السلام لهذا الكوكب، يقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»([1])).

الجنة ممنوعة علينا ما لم نتحابّ في الله ونعيد السلام لهذا الكوكب

 

كرر بقوة: (أفشوا السلام بينكم).

ثم وضع ساقاً على ساق وقال: (يعني أن يكون الإنسان سلاماً على أهله وجيرانه وكل الآخرين، يده سلام، ولسانه سلام، ورجله سلام، حتى يكون المجتمع كله سلام).

ثم تابع بحزم: (العالم الآن مهدد بأخطار كبيرة، كان الإنسان يخاف من الوحوش، صار الإنسان يخاف من الإنسان!

الوحوش تهاجم الإنسان بواقع جوعها، والآن الإنسان المتخم هو الذي يهاجم ويعتدي ويغتصب، صار الإنسان أكثر وحشية من الوحوش!

الوحوش تهاجم الإنسان بواقع جوعها، والآن الإنسان المتخم هو الذي يعتدي ويغتصب

كل ما يملكه الوحش أظافره وأنيابه، والإنسان الآن يملك الصواريخ والأسلحة ليقتل بها الإنسان والحيوان والنبات ويفسد حتى البيئة، فأين السلام؟).

ران الهدوء على الجميع ونظروا إليه فكأنه قرأ ما يجول في أفكارهم.

تنهد بقوّة وتحسس نبضه وتابع وعيناي تلاحقان حركاته ودموعي تتوسل إليه بوجل:

(ما أحوج إنسان هذا العصر أن يعود إلى المنقذ الوحيد؛ مدرسة الله؛ الإيمان ولكن برجاله الحقيقيين).

ما أحوج إنسان هذا العصر أن يعود إلى المنقذ الوحيد؛ مدرسة الله؛ الإيمان

سأله أحد مسؤولي هيئة الأمم:

ما الذي يمكن أن نفعل؟ ألا يمكن لهيئة الأمم ومجلس الأمن أن يفعلا شيئاً؟

اعتدل شيخنا في جلسته قائلاً بحزم:

(يا ابني كلنا يعلم ما توصل إليه الإنسان من الأسلحة المدمرة لحياة الإنسان والحيوان والنبات وحتى الوجود على هذه الكرة الأرضية، لقد وضعوا اللغم في أساس هيئة الأمم ومجلس الأمن، حيث شُلّت أحكامهم بالفيتو.

حكم مجلس الأمن على نفسه بالإعدام فألغيت العدالة… ما بهذا يصلح العالم. ما بهذا يعم السلام!!)

كان يوزع نظراته على الجميع وأحسّ الجميع بأنه يقصدهم فيما يقول وتابع:

(صار الإنسان الضعيف كالغنم بين الحيوانات المفترسة… القوي يقتل الضعيف.

فأيّة محكمة؟

وأيّة هيئة أمم؟

وأي مجلس أمن؟

وأي سلام سيكون؟

الآن مهما ضعف الإنسان فإنه يستطيعُ من خلال خوفه وعدم أمانه أن يحيق الأذى بالآخرين -ورفع إصبعه- مع إني لا أقر بذلك… وحال الإنسان المقهور الآن كالقصة التالية:

كان لأحد تلاميذ والدي رحمه الله قطّ…) -بدأ القصة، ولتعبه طلب من المترجم الأستاذ فاروق إتمامها- (ومن جوعه كان يفعل ما أزعج صاحبه منه، فحصره في الغرفة وأمسك العصا يريد قصاصه، فهرب القطّ إلى مكانٍ مرتفع في الغرفة. وعندما لم يجد القطّ أمامه سوى العصا، انقضَّ على الرجل وعضّه من عنقه لدرجةٍ أن الرجل استغاث بأهله، ولولا دخول أهله لإنقاذه لكانت الغلبة للقطّ!).

ضحك الجميع وتابع شيخنا: (الضعيف إذا وصل إلى درجة اليأس… ميت ميت، فيستأسد… فلا يغترَّ القوي بقوته.

السلام لا يكون إلا إذا بدأ بين الإنسان وربه، أي إذا صالح الإنسان ربَّه، وامتثل لأوامره وانتهى عن محارمه، والتزم تعاليم أنبيائه -الذين هم سفراء لإله واحد- وما جاءت تلك التعاليم إلا لسعادة الإنسان كل الإنسان.

هل المسيحي الآن يمثل سيدنا المسيح وتعاليمه؟

هل المسلم هكذا؟)… وأشار بيده نافياً… لا!.

سأله أحدهم وهو ينظر بتحدٍّ:

ما تقول في الجهاد في الإسلام؟ أليس بعداً عن السلام؟…

قال شيخنا بهدوء:

(الجهاد في الأصل بذل الجهد من أجل صنع الإنسان الفاضل ولإنقاذ الإنسان الضعيف من الإنسان الظالم ولتحقيق السعادة لكل أصناف البشر.

والجهاد الأكبر الذي جعله الإسلام عظيماً هو الانتصار في المعركة المقدسة بين الرغبة والأنا وبين أوامر الله ولتكون الغلبة لأوامر الله، فيعيش الإنسان جنة الدنيا قبل جنة الآخرة).

ثم تابع شيخنا بهدوء وكأنه يتكلم من مكان بعيد:

(بقدر ما يبتعد الإنسان عن الله يفقد السيطرة على نفسه، على شهواته، على تسلطه، فيميل إلى العدوان والظلم رغبةً منه في تحطيم الآخرين وإخضاعهم لمصالحه، وبقدر ما يقترب من الله يحب الله فيطيعه، ويشعر بالتوازن في نفسه، وبالسيطرة على نوازعه الشريرة، ويقوده حب الله وخوف عذابه إلى احترام الآخرين ومساعدتهم.

بقدر ما يبتعد الإنسان عن الله يفقد السيطرة على نفسه

الإسلام جعل الإنسان أخاً للإنسان -وأقسم بصوت قوي-: والله ما دمنا نسير على مخطط الله فالنتائج مضمونة، وسعادة العالم محققة لأن خالق الخلق أعلم بما يصلحهم ويسعدهم.

يقول تعالى في قرآننا العظيم:

{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ([2])).

كان صوته يعلو وفجأة قال بهدوء:

(بالإيمان لن نكسب السلام فقط، بل المحبة والرحمة لأنه ما من عبدٍ يكون مع الله حقاً ويصبح ظالماً، فالإيمان يربي خشية الله في القلب، وهذا ما يحفظ الإنسان حتى من نفسه.

خشيةً لله وتعظيماً ومراقبةً له، وليس خوف الحدود وخوف القصاص والقوانين!

وعندها يتزكَّى الإنسان الداخلي، وتفنى رغبات النفس وجموحها، ويصبح الإنسان إنساناً ملائكياً رحمانياً يحب الجميع ويحنو على الجميع).

دخل الإخوان يحملون الشاي المعطر وبدأ الجميع بارتشافه مستمتعين بنكهته.

قال أحد الأساتذة متسائلاً:

ولكن لماذا عجز الإيمان الآن عن الإصلاح؟

وهزّ معظم أفراد الوفد رؤوسهم وكأنهم موافقون على رأيه.

هزَّ شيخنا رأسه مبتسماً وهو يشم الوردة بعمق قائلاً: (في الأصل جاء الإيمان لصناعة الإنسان الكامل، وإسعاده في كل شؤونه، وجعل الله هذا الإنسان عاقلاً سميعاً بصيراً ليفهم دوره على هذا الكوكب وينجح فيه، فيسعد ويُسعد، ولكن رجال الأديان جعلوا الدين لمصالحهم، فغابت أصالة الإيمان، وغابت تعاليم الله فيهم فعجزوا عن إيصالها للآخرين، وكما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه لغيره.

فإذا لم يكن الإيمان راسخاً ومتمثلاً في سلوك رجل الدين، وإذا لم يكن النبي قدوته في كل أخلاقه وحكمته وسلوكه لن يصل إلى قلب محدّثه، وبالتالي لن يُحْدِثَ ذلك التغير.

لذلك لو صدق رجال الدّينين لعاد الإيمان قائداً للإنسان للسعادة والصلاح، ولعاد السلام إلى كل الشعوب، لأن دين الله جاء مسعداً لكل البشر في كل آن).

رفعت يدي متوسلة أن كفى، فهو متعب…

فقال أحد الضيوف:

لا ندري كيف فشلت كل تلك الحضارات في الخلاص مع أنها أثبتت جدارتها في الماضي؟

فأجاب شيخنا وهو يتنهد بقوة وينظر إليَّ مهدئاً: (يا ابني… آخر ما وصلت إليه الحضارة أنها تريد أن تحفر قبرها بمحفار علمها وثقافتها وتقدمها…

أيّ تقدم؟… تقدَّمت الآلة… صارت الدابة سيارة، ثم طيارة… كل شيء تقدم إلا روح الإنسان، لأنها بَعُدَت عن تعاليم الله.

كل شيء تقدم إلا روح الإنسان، لأنها بَعُدَت عن تعاليم الله

لم يتقدم الإنسان إنسانياً ولا إيمانياً، ولا منقذ سوى الإيمان… وخلاصة الإيمان أن نقود العالم كله إلى الحب، إلى الرحمة، وقدوتنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حيث حدد الله عز وجل مهمته بقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ([3])).

قالت إحدى الزائرات بتوسل:

فعلاً نحن قلقون، فالعالم كله متناقضات… والحروب آتية؛ بل نحن في حرب دائمة.

سيدي حديثكم ملأنا بالسكينة والأمل، أنتم تملكون حلولاً حقيقية، فما الحل؟.

فقال شيخنا: (إذا أردنا يكون الحل… ولكن متى نريد؟ إذا علمنا ما نريد…

أما إذا جهلنا الواجب أو عرفناه وما أردنا أن نعمل به فستكون الكوارث من حيث نتوقع أو لا نتوقع).

ثم تنهَّد شيخنا قائلاً: (أكرر وأقول: لم يعرف الإنسان خطراً أعظم من الخطر الذي يعيشه إنسان عصرنا هذا، السلاح كان بسيطاً وليته بقي هكذا… فأي إنسان هذا الذي يقتل أخاه بالقنابل النووية والجرثومية والكيميائية…

الحلّ أن نهيء مؤسسة من عقلاء وحكماء ومخلصي الأديان، وتضع برنامجاً للعمل بتعاليم الله الواحد الأحد الأصيلة التي نزلت على كل أنبياء الله والتي لم يخالطها أي تبدل أو تغير والموجودة في القرآن الكريم، حيث لم يتغير منه حرف مذ أنزله الله الذي يقول: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ([4])… كل منا يحب أن يصحح مسيرته في الحياة حسب تعاليم الله).

رفع يديه مقرراً، وقال: (ثم تأتي مهمة الإعلام العظيمة… الإعلام.. ثم الإعلام.. ثم الإعلام.. ويجب أن يديره أناس معتدلون مخلصون مؤمنون حقاً).

تنفس بعمق، ونظر إلى كل واحد منهم بثبات وتابع: (إذا لم يكن في قلبك وجدان حقيقي وضمير حيّ نابع من روح تعاليم الله، فيحترم الإنسان كل الإنسان، ويحب الإنسان كل الإنسان، لا يمكن لكل أسلحة العدوان أن تحقق شيئاً سوى الدمار والخراب والضياع، ولا يمكن لكل وسائل الإعلام أن تحقق السلام والحب والإخاء والرحمة للجميع، وهذا هو جوهر الإيمان وغايته).

كل شيء تقدم إلا روح الإنسان، لأنها بَعُدَت عن تعاليم الله

احمر وجه شيخنا منفعلاً وقال بتهدج:

(العالم مهيأ للاحتراق ما لَمْ نَعُد إلى تعاليم الله، ونحن مسؤولون، وسنحاسب غداً أمام محكمة الله، لنعمل جميعاً في دائرة ما نستطيع، ولا حدود لقدرتنا إذا أردنا.

العقل إذا لم تسعفه قوة السماء يقع في أخطاء كثيرة كالحروب العالمية -الذين خططوا لها كانوا أصحاب عقول كبيرة- ولكن ماذا كانت النتيجة.. دمار للجميع.

الدين بأصالته لا يفرق بل يجمع، يجمع الإنسان بإنسانيته وروحانيته، القصة قصة الأنا ونحن).

الدين بأصالته لا يفرق بل يجمع

كان الجميع ينظرون باهتمام صامتين فقال بهدوء: (أنا متفائل، ولكن التفاؤل بلا عمل هو أماني، الشقاء والسعادة بيد الإنسان، ما يلزم إنسان هذا العصر حمام روحي إيماني لغسل الغبار العالق بإنسانيته ليعود ملائكياً، أوليس الأحرى بالإنسان أن يعمل ليجعل من الإنسان الجسد، الوحش في النفس، إنسان الروح والنفس.

العلو والتسامي تأباه النفوس الصغيرة وتعانده، وتفضل الانحطاط والهبوط في مصالحها المادية وشهواتها الجسدية، ولكن الإرادة والإيمان دواء لكل داء،.. نحن مسؤولون عن تغيير ما بإمكاننا، ورفض الإنسان لتعاليم الله دليل على ضعف عقله وطفولة إرادته وتغلب شهواته.

رفض الإنسان لتعاليم الله دليل على ضعف عقله وطفولة إرادته وتغلب شهواته

أنتم مسؤولون بين يدي الله عن كل ما تسمعونه لتنقلوه للآخرين).

أشار بيده متعباً وقد أنهى حديثه:

(والمجنون في قاموس رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المجنون من يعصي الله»([5]) المجنون من يعصي الله…). قالها وكأنه يختم حديثه.

شكروه كثيراً، ثم ودّعوه بكل حب واحترام وتمنّوا له عمراً مديداً ليحقق أمانيه وأماني الصادقين أمثاله..

وبعدها ظل عدة أيام متعباً.

وفي صباح الثامن عشر من آب كان متعباً جداً وأغمي عليه مرتين، ناديته فزعة: شيخنا.. قال وهو يختلج:

(المهم الإسلام… المهم استمرارية الدعوة).

جاء الدكتور “أويس” وبعد مشاورات مع الأطباء، نقل إلى مشفى الشامي إلى العناية المشددة، حاولوا وضع بطارية مؤقتة لمساعدة عمل القلب… وذهبوا إلى غرفة العمليات… وبعد ساعتين تقريباً عاد متعباً مرهقاً.

قال الطبيب بأسف وحزن: لقد أتعبناه كثيراً وتعبنا كثيراً حتى أوصلنا سلكاً رفيعاً من الحالب إلى قلب شيخنا، وكان الأمر في غاية الصعوبة.

لم يكد يصل إلى السرير حتى تيمم بسرعة وجلس يصلي.

قال الدكتور “أويس”: أرجوك لا تتحرك كثيراً.

لم يبال شيخنا… ركع طويلاً وسجد طويلاً بالرغم من وجود علبة حديدية بطول اثنين وعشرين سنتمتراً وعرض عشرة سنتمترات مثبتة على جانب الحالب!!

أنهى صلاته بهدوء شاكراً ذاكراً لله.

قال طبيبه: وقد دمعت عيناه.

سبحان الله… شيخنا يعلمنا الهمة والإرادة والصبر على المكاره.

بعد ثلاثة أيام ثبتوا له بطارية دائمة لتساعد قلبه المتعب ونصحوه بالنقاهة لمدة شهرين على الأقل…

ولكن هل تستطيع النفوس العظيمة أن ترتاح؟؟

كان يدعو إلى الله حتى في المستشفى ويقرأ ويكتب ولا يدع فرصة يرضي الله بها وينشر دينه إلا واغتنمها…

كان يود السفر إلى أمريكا تلبية لدعوة الدكتور شولر رئيس الكنيسة الكرستالية، ولكن يبدو أن الله أراد له أمراً آخر، ولم ينه فترة النقاهة كلها حتى عاود نشاطه كله ومحاضراته ولقاءاته بالوفود، وبذلك سجل لنا أروع مثال على عزيمة وإصرار لمواصلة جهاده في الدعوة إلى الله… وعندما كنت أرجوه أن يرتاح قليلاً ليستمر طويلاً كان يكرر:

(يا بنتي لا سن للتقاعد في الدعوة إلى الله.

لا سن للتقاعد في الدعوة إلى الله

أنا أدعو الله أن أموت وأنا في جهاد الدعوة على كرسي الدرس في الجامع).

رحمه الله وجزاه الله عنا كل خير… وجعلنا على نهجه وبهمته… اللهم آمين.                                                                         في آب 2000

([1]) سنن أبي داود: 5293، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([2]) سورة الملك، الآية: (14).

([3]) سورة الأنبياء، الآية: (107).

([4]) سورة الحجر، الآية: (9).

([5]) كنْز العمال، ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه.