أريدك رحمة للعالمين

الشيخ أحمد كفتارو
أريدك رحمة للعالمين

أريدك رحمة للعالمين

الشيخ أحمد كفتاروكان الوقت ربيعياً بارداً، وقبل الفجر بساعتين استيقظ شيخنا، وتناول حبة خفيفة للنوم.

لمسْتُهُ بحنان: ما بك حبيبي؟ هل تريد شيئاً؟.

قال: (أرقتُ قليلاً، وأنا أفكِّر بالإسلام وتقصيرنا تجاهه، لقد رأيت أحد الزعماء في المنام، وقلت له: يجب أن نبذل أقصى جهدنا؛ يجب أن نسارع في العمل والبحث دائماً عن الحلول لعل وعسى).

ثم قال لي: (والله يا بنتي ليلي ونهاري حتى في نومي لا يشغلني إلا الإسلام والمسلمين).

رجوته أن أسقيه كأساً من اللبن فوافق بوداعة، وشرب القليل منه.

لم أستطع النوم بعدها، سبحان الله كيف يشغله الإسلام رغم كل ما يبذله من جهد وتعب.

عندما أيقنتُ بأنَّه قد نام ثانيةً، قمتُ بهدوء وتوضّأتُ لأصلِّي ركيعات قبل الفجر أدعو الله عز وجل فيها أن يشغلني به عمن سواه.

لم أُتِمّ ركيعاتي حتى أحسّ بي فنظر إليَّ عاتباً: (ما شاء الله، تصلِّين ولا توقظيني؛ أين: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء.. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء»([1])).. وقام مسرعاً ليتوضّأ.

سلَّمت بسرعة ولحقته حتى أساعده، وأغلق الأبواب والنوافذ التي فتحتها لتغيير هواء البيت حتى لا يشعر بالبرد، فأغلقتها بسرعة فأحدث باب الألمنيوم المؤدي للشرفة صوتاً قوياً.

نظر إليَّ بحنان ثم قال: (أنا ما بدي علمك، أنتِ بتعرفي بس بدي ذكّرِك.

{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}([2]).

كنتِ تستطيعين رفع الباب قليلاً حتى لا تحدِثي هذا الصوت).

نظرتُ إليه آسفة بعينين مغرورقتين بالدموع لأنَّه كان يعزُّ عليَّ أن أزعجه.

فقال: (بابا أنا أحبك، أريد نقلك من النقص إلى الكمال.. أريدك رحمة للعالمين).

([1]) أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال صحيح على شرط مسلم.

([2]) سورة الذاريات، الآية: (55).

بصدق الإرادة يتحقق كل مراد

الشيخ أحمد كفتارو
بصدق الإرادة يتحقق كل مراد

بصدق الإرادة يتحقق كل مراد

الشيخ أحمد كفتارودخل شيخنا مبتسماً بلباسه الأبيض المعهود، وكل ما فيه يرحب بضيوفه طلاب الشيشان الذين يدرسون في المجمع، وكان يردد:

(بسم الله، ما شاء الله).

عندما جلس نظر إلى الجميع وحياهم واحداً واحداً وهو يلقي التحية: (السلام عليكم). بوجهه ويديه حتى تحول إلى كتلة سلام ونور.

كان الجميع ينظرون إليه مبهورين مبتسمين، يلوح على وجوههم البشر والسعادة بلقائه.

قال: ({وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ([1]).

فالله يأمر نبيه أن يبلغ المؤمنين إذا أتوا ليتفقهوا في الدين، أمره أن يبلغهم سلام الله لهم، وأنا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول لكم: سلام الله عليكم).

فردوا السلام بحبور كبير.

تابع شيخنا: (طلب العلم يعتبر جهاداً في سبيل الله، بل أعظم من الجهاد: ألا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»([2]).

طلب العلم يعتبر جهاداً في سبيل الله

ويقول أيضاً عن حديث أبي الدرداء: «يوم القيامة يوزن دماء الشهداء بحبر ومداد العلماء..»([3]). العلم في الإسلام يا أبنائي وبناتي هو كل ما تعود معرفته بالخير على الناس في دينهم أو دنياهم كما علّم النبي صلى الله عليه وسلم -وهو المعلم الأول- الناس سعادتهم في دينهم ودنياهم.

فبعد أن كان العرب قبائل متفرقة متناحرة سماهم القرآن:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ([4])، صاروا أعظم أمة أخرجت للناس، غيّروا أعظم دولة عالمية في زمانهم، وباعتراف الغرب والغربيين هم الذين نقلوا الحضارة والعلوم إلى الأوربيين، فأنتم الآن في طلبكم للعلم نواب ووكلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليمكم الناس مما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.

مهمة المسجد يا أبنائي تعني مهمة إمامه، ومهمة الإمام أن يعلم الناس ثلاثة أشياء أمرَ اللهُ نبيه أن يعلمها الناس:

1- أن يعلمهم الكتاب؛ يعني القرآن، وليس المراد من تعلم القرآن أن يتعلم تلاوته أو النطق به فقط.. إن وصفة الطبيب إذا قرأها المريض لا يُشفى، المهم أن يأخذ الدواء ويستعمله، عند ذلك يستفيد منها.

القرآن هو وصفة الله عز وجل الطبية كما يقول اللهُ عز وجل في القرآن الكريم: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}([5])).

نظر الجميع إلى شيخنا نظرة استفهام فأتم حديثه:

(شفاء من الشرِّ، شفاء من الرذيلة، شفاء من كلِّ الأمور المعيبة، سواء كانت أقوالاً أم أعمالاً، سراً أم علانية، ورحمة بالانتقال من الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الذلِّ إلى العزّ، ومن الضعف إلى القوة. يقول القرآن في هذا المعنى:

{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}([6])… يعني فقيراً فأغناك. ويقول:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } ([7])… نقلكم من الذل إلى العز.

ويقول: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ([8])… والنصر نقلة من الضعف إلى القوة، ومن تسلط العدو إلى الاستقلال.

لقد نُفذت هذه التعاليم بفهم وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حدود فرنسا إلى الهند على اختلاف اللغات والألوان والقوميات، فانصهروا جميعاً تحت كلمة الإسلام وتحت راية: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  }([9])… بل أكثر من ذلك:

«المؤمنون في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([10]).

فالمؤمن مهما كان صغيراً يهتم له كل المسلمين ويعتنون به.

نفذت رائحة عطرة، والتفتُ فإذا بالإخوان الشباب يحملون الشاي الأحمر بماء الزهر، والذي تميّز شيخنا بتقديمه للجميع.

حمل شيخنا كأسه ولكنه لم يرتشف منه رشفة واحدة، وتابع حديثه باسماً: (المسلمون في عصرنا فقدوا ثمرات الإسلام، وهم ضعاف متخلفون ومستعمرون بمختلف أنواع الاستعمار، ومسيطر عليهم اقتصادياً وسياسياً، والسبب فقد المجتمع الإسلامي لمن يعلم الكتاب والحكمة ويزكي النفوس.

العلماء هم وكلاء الأنبياء؛ قائد الطائرة له نائب ومهمة النائب أن يفعل كما يفعل القائد ولكن إذا كان وكيلاً بالاسم ولا يحسن قيادة الطائرة فهو فاشل إذن.

وأنتم الآن في دراستكم لن تنالوا العلم بقراءة الكتاب وأخذ الشهادة، ولكن إذا ما ترجمتم القرآن من تلاوة إلى أعمال، إلى حكمة، إلى أخلاق زكية، ونهضتم بأمتكم نحو العلم والحكمة والتزكية، عندها ستصبحون ورثة ووكلاء للنبي بالمعنى الحقيقي العملي.

إن من أسباب تخلف العالم الإسلامي الكليات والجامعات الإسلامية من الأزهر فما دون لأنها لا تخرّج الوارث المحمدي بشكل متكامل… العالم المحمدي هو الذي ينقل الأمة من الجهل إلى العلم، إلى كل علم ينفع، إلى كل ما يحتاج إليه المسلمون.

العالم المحمدي هو الذي ينقل الأمة من الجهل إلى العلم، إلى كل علم ينفع

فهل يُعلَّم المسلمون صناعة الطائرات والسيارات وباقي مخترعات العصر التي تعطي للإنسان القوة؟. القرآن يخاطب المسلمين فيقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } ([11])… حتى تحقق انتصاراً على العدو في كل الميادين.

هل إمام المسجد والعالم الديني يعلم المسلمين الحكمة؟

هل يعلمهم فقه النجاح في الحياة؟

الحكمة هي الصواب في القول وفي العمل أي ألا يعمل الإنسان عملاً خاطئاً وألا يقول قولاً غير صحيح.

هل إمام المسجد يداوي أمراض المجتمع في أخلاقهم وسلوكهم فينقلهم من الرذائل إلى الفضائل؟

النبي هكذا فعل، والعالم الوارث ينبغي أن يفعل ذلك لأجل أن يكون وارثاً حقيقياً لا وارثاً باللفظ فقط.

الوضوء ذُكِر في القرآن في آية واحد…

والصوم ذُكر في ثلاث أو أربع آيات…

ألف العلماء في الوضوء والصلاة كتباً مثل الجبال!!.

أما الحكمة فقد ذُكرت في القرآن الكريم عشرات المرات، بل جعلها القرآن نصف النبوة ونصف الدين فقال عن الأنبياء: { وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } ([12])… المقصود بالحكم: الحكمة، والحكماء هم الذين لا يخطئون في قول أو عمل، في الاقتصاد أو الفكر أو الأخلاق، وفي كل ما ينفع صغيراً أو كبيراً، وهذا نصف الإسلام.

ولذلك وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المسلمين الصحابة في زمانه بقوله: «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء»([13]).

وذكر الحكمة قبل العلم!!).

وسأل: (النبي؟!.. من هو النبي؟).

ثم أجاب بنفسه: (النبي هو الذي يصنع الأمة الفاضلة القائمة على الحكمة والعلم والتزكية).

النبي هو الذي يصنع الأمة الفاضلة القائمة على الحكمة والعلم والتزكية

ثم نظر إليهم بحنان قائلاً: (لذلك اجتهدوا في دراسة المنهاج في الكلية، واجتهدوا لتأخذوا العلم الرباني أيضاً من طريق القلب ومن طريق مجالسة الله في الذكر، وأن تتفقّهوا في القرآن لتقرؤوه بالفهم.. فمثلاً إذا ذكر القرآن نوحاً تفهم من نوح أن تصبر في عملك لأداء الرسالة ولا تيأس أو تمل. وإذا قرأت الكهف تتعلَّم كيف تخلو بالله حتى يفيض الله عليك من علمه وحكمته كما أفاض على شباب أهل الكهف. وإذا قرأت سورة مريم تتعلم المرأة أن تجتهد في العفة لتصل إلى سمو الملائكة الأطهار:
{ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }([14]).

إذا قرأت سورة مريم تتعلم المرأة أن تجتهد في العفة لتصل إلى سمو الملائكة الأطهار

ربَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصحابةَ على الصبر وعلى تحمل المشاق لطلب المعالي فتحملوا وضحوا بأنفسهم وهذا معروف لنا جميعاً، فاستطاعوا أن يبنوا دولة لا كدولة سيدنا داود وسليمان دولة قومية صغيرة في فلسطين بل دولة عالمية، صبروا على الشدائد الكبيرة بكل ما يملكون من طاقة للصمود أمام المحن وعداوة المشركين وتعنتهم حتى فازوا وانتصروا فحققوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما النصر مع الصبر»([15]).

لو صار المؤمنون مؤمنين حقيقيين لبطل الجهاد وبطلت الحروب، وتحقق السلام والإخاء والمحبة، ولتحققت الأمة الواحدة التي تخضع لإله واحد ولبرنامج واحد ملؤه السعادة لكل البشر).

لو صار المؤمنون مؤمنين حقيقيين لبطل الجهاد وبطلت الحروب، وتحقق السلام والإخاء

وهنا حمل أحد الشباب حزمة من الورد وأعطاها لشيخنا فقدم وردة لكل أخ ثم حمل وردته المفضّلة ذات الرائحة الحلوة وصار يشمّها مراراً، وكأنَّها تحمل له قوة أو طاقة جديدة تساعده على إتمام اللقاء وزيادة النشاط.

تابع شيخنا: (كانت المرأة تلقي المحاضرة في الجامع الأموي بدمشق وكان من تلاميذها عبد الملك بن مروان الذي كانت حدود مملكته من الهند إلى الصين إلى حدود فرنسا!.

كانت المرأة تلقي المحاضرة في الجامع الأموي وكان من تلاميذها عبد الملك بن مروان

هكذا رفع الإسلام من شأن المرأة فكانت أستاذة أعظم خليفة في ذلك الوقت…

لما قرأ المسلمون قصة يوسف عليه السلام صاروا من النَّزاهة والورع والبعد عن الفواحش كما أراد الله من تلك القصة، ونجحوا في السياسة والاقتصاد وفي فن الحرب، ونجحوا في توحيد نصف العالم بفقه الحكمة بثقافة القرآن وهذا معنى قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء»([16]).

أي يعملون كما عمل الأنبياء… ولا تظنوا أنَّ هذا أمر مستحيل أو صعب لأنه بصدق الإرادة يتحقق كل مراد، وبصدق العزيمة والتصميم يستطيع المسلمون الآن أن يجعلوا الكرة الأرضية بلداً واحداً وأمةً واحدةً.

بصدق العزيمة والتصميم يستطيع المسلمون أن يجعلوا الكرة الأرضية أمةً واحدةً

لقد زرتُ معظم بلاد العالم من طوكيو إلى غرب أمريكا عبر الاتحاد السوفييتي عبر الكرملين وما وجدت عثرة تقف أمام الإسلام.

زرتُ معظم بلاد العالم وما وجدت عثرة تقف أمام الإسلامً

دعاني بابا روما ثلاثة مرات لإلقاء محاضرات في الفاتيكان، وفي لقاء شخصي استغرق ساعة كاملة أنهى جلسته معي بقوله: “أنا أقرأ القرآن كل يوم!!”، وطلب مني إلقاء محاضرتين واحدة منهما ألقيتها في الفاتيكان حيث كان عنده كرادلة العالم وكان عنوان المحاضرة: مستقبل الإسلام والمسيحية في العصر الحديث.

لذلك أبنائي وبناتي، إن الله رشَّحكم لأمر عظيم، وعظيم جداً…

النبي r يقول لكم أريد أن أجعلكم وكلائي ونوابي، إذا الملك أو رئيس الجمهورية قال لأحدهم: أنا أريد أن أرشحك لتكون نائباً عني، فأي شرف هذا، وأيّ مجد يُعرض على هذا الإنسان؟.. ثم أيّ واجب يترتب على هذا الإنسان أن يقوم به؟

لذلك فالعالِم بمعناه الحقيقي هو المعلم بأحواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه، وهم جميعاً يبلغون الإسلام ويقودون الأمة، يبنون عقلها وأخلاقها وروحها وحضارتها.

العالِم بمعناه الحقيقي هو المعلم بأحواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه

إذا وُجِدَ المعلم وُجد الجامع، وبُنيت الأمة، وقادت الأمم الأخرى إلى كل خير.

ماذا كان عمر قبل الإسلام؟

كان دلالاً يبيع الجمال في السوق!!!

ومن هو خالد قبل الإسلام؟

لقد حطّموا الاستعمار الشرقي والغربي كله في أقل من عشر سنين، وهذا كله بفضل الإسلام ومدرسة القرآن وأستاذ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنتم الآن في دراستكم للعلوم الإسلامية مدعوون لقيادة الأمم حسب المنهاج القرآني وسيكون حظكم من ثمرات الإسلام التي ذكرتها بقدر ما تبذلون من جهد وهمة لتُسعدوا شعبكم وتُسعدوا كل من حولكم.

النبي صلى الله عليه وسلم يبشرنا رغم تخلّف المسلمين الآن بقوله: «خير هذه الأمة أولها وآخرها»؛ أولها فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخرها فيهم عيسى ابن مريم «وبين ذلك ثبج أعوج ليس منك ولست منهم»([17]).. النبيّ صلى الله عليه وسلم يتبَرَّأ من الوسط الذي يعوج عن الصراط المستقيم.. فأرجو من الله أن يكون عملكم ليس في الشيشان فقط لأن المسلم لا حدود لوطنه.

إذا فقهتم القرآن فقهاً حقيقياً وعملتم  بأوامره وانتهيتم عن نواهيه، وفقهتم الحكمة فقهاً حقيقياً فأنتم خير زمانكم وعندها يعزكم الإسلام ويرفعكم ويرفع الناس بكم.

أسأل الله لكم التوفيق وأن يحقق بكم الآمال والحمد لله ربِّ العالمين).

وقفوا جميعاً مستبشرين واعدين، ثم أنشدوا أنشودة بالشيشاني..

لا إله إلا الله…

ثم قرأ أحدهم قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } ([18]).

ثُمَّ قُرِأَت الفاتحة.

ودمعت عينا شيخنا آملاً بأن يكونوا علماء أمتهم الواعدين.

([1]) سورة الأنعام، الآية: (54).

([2]) سنن ابن ماجه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، والبزار في مسنده.

([3]) كَنْز العمال، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

([4]) سورة آل عمران، الآية: (110).

([5]) سورة الإسراء، الآية: (82).

([6]) سورة الضحى، الآية: (8).

([7]) سورة آل عمران، الآية: (123).

([8]) سورة غافر، الآية: (51).

([9]) سورة الحجرات، الآية: (10).

([10]) صحيح البخاري، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

([11]) سورة الأنفال، الآية: (60).

([12]) سورة الأنبياء، الآية: (79).

([13]) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، عن أبي سليمان الداراني.

([14]) سورة آل عمران، الآية: (42-43).

([15]) مسند أحمد بن حنبل، عن ابن عباس رضي الله عنه.

([16]) سنن الترمذي عن قيس بن كثير.

([17]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الجزء السادس ص123.

([18]) سورة الصف، الآية: (10-14).

قتلة الأمل

الشيخ أحمد كفتارو مع روجيه غارودي
قتلة الأمل

قتلة الأمل

الشيخ أحمد كفتارو مع روجيه غاروديلقاء روجيه غارودي (1)

رحب شيخنا بالدكتور روجيه الذي أصر أن اسمه صار رجاء وتمنى له إقامة طيبة.

قال روجيه مهتماً: إن المدنية الغربية في طريقها إلى الموت لغياب الأهداف وإننا نرى انتشار قتلة الأمل الذين يحاولون إقناع الشباب بأن حياتهم لا معنى لها لا يُمكن أن يُترك المستقبل لهذا العالم الغربي، فقد هيمن خمسة قرون على مقدرات البشرية، فاتجه للإبادة أكثر بكثير مما اتجه للتعمير.

وما جذبني للإسلام هو الصوفية وكل الذين يسلمون الآن من العالم الغربي أحبوا الصوفية، وهي موجودة في كل الأديان ولكن بأشكال مختلفة وهو التوجه الروحي.

ردّ شيخنا: معنى الصوفية عند الآخرين هي العناية بالروح مع إهمال الجسد والرهبانية، وهذا خطأ ومخالف للطبيعة، الإسلام يبسط جوانبه الروحية على أمور الحياة وحتى المعاملات فالإنسان يراقب الله في كل تصرفاته وهذه وظيفة الدين هذا التوازن في الإسلام في سعيه للدنيا كما هو في سعيه للآخرة، فعليه أن يسعى في الأرض، ويمشي في مناكبها ويبذل كل جهده من خلال أوامر الله.

الإسلام يبسط جوانبه الروحية على أمور الحياة وحتى المعاملات

هكذا فهم الصحابة والمسلمون العمل في الدنيا والعمل للآخرة كانوا يتقون الله حق تقاته ويضحون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله وزارعين في الدنيا كل الخير لكل من حولهم، وهذه الصوفية ليست شيئاً آخر سوى تزكية القرآن للنفس المؤمنة، مع التزام الشريعة أولاً وعلى أيِّ حال إن هذه الطرق كان لها الفضل في استمرار الإيمان تحت أقسى الظروف المعروفة في معظم البلاد، ومن الخطأ أن يظن البعض اليوم أن التزكية في عصر العقلانية لا دور لها فالعكس هو الصحيح.

ردّ روجيه غارودي متحمساً:

كثير من رجال الغرب عرفوا الإسلام من خلال التصوف والآن وفي هذا العصر هناك موجة جديدة للتحول إلى طرق الصوفية، فكل من ينادي بالتغيير يتجه نحو التصوف الذي جوهره تزكية النفس كما ذكرتم سيدي، لأنهم الآن في شك متزايد باستمرار ليس فقط تجاه العقلانية والمنهجية المادية الغربية، بل في أنظمة المجتمع الغربي نفسها التي أنتجت الفاشية والنازية، والحرب النووية، وتخريب الشعوب الضعيفة، واستعمارها ونهبها لثرواتها.

وتابع متحمساً: إن الجيل الصاعد قد فضح زيف التقدم الغربي، ورأى أنه محض مبالغات يرثى لها، لذلك يحاول الكثير من الشبان الآن تصحيح خطأ هذا التطور وهذا التجاوز بالارتماء في أحضان نقيض العقلانية لعله يجد من يعصمه ويستسلم له فيرتاح وتطمئن نفسه القلقة أبداً.

كان شيخنا يصغي إليه باهتمام ثم قال: ذكرتُ في المؤتمرات التي كنت أحاضر فيها أن لا حل إلا بالعودة إلى شريعة الله فهو أعلم بما يسعد عباده.

لا حل إلا بالعودة إلى شريعة الله فهو أعلم بما يسعد عباده

قال روجيه: الخيار الأخير كما قال: “كارل رانر” أن المسيحي سيكون في المستقبل إما صوفياً وإما ملحداً.

قال شيخنا: الإسلام ليس سكوناً وتماوتاً، وشخوصاً إلى السماء، واستسلاماً، بل هو كما قال رسولنا الكريم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» ([1]).

استعن بأوامر الله وخطة الله لتصحيح ما مضى وزرع لما يستقبل الخلاصة (اعقل وتوكل) أجاب الدكتور روجيه منفعلاً: لا خيار سوى الإسلام وبهذا لا تنقطع الصلة بين العقلانية والتصوف.

أجاب شيخنا: المسلم مسؤول مسؤولية شخصية عما يفعل وعما يقول، يقول النبي صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» ([2]).

فكلكم مسؤول -الرجل والمرأة- لا استثناء والمسلم في ثقة كبيرة أن الله سيجزيه خيراً على أفعاله الخيرة وعقوبة على أفعاله الشريرة والسيئة.

عقب روجيه قائلاً: يجب أن نسمع الآخرين فلن يتم أي حوار وانسجام إلا إذا أصغى كل إلى الآخر.

قال شيخنا: لن يقتنع أحد بمن يحاوره إلا إذا أيقن أن لديه ما يتعلمه منه أو يصحح به خطأه.

لن يقتنع أحد بمن يحاوره إلا إذا أيقن أن لديه ما يتعلمه منه أو يصحح به خطأه

سكت الدكتور روجيه لحظة ثم قال مندفعاً:

ذكرت كثيراً في كتبي أن ما أُنكِرُهُ على الحضارة الغربية: أن تضع نفسها مكان الصدارة وحدها ملغية الحضارات الأخرى العريقة ومن الخطأ الجسيم أن يضع الغرب نفسه موضع المعلم لجميع الأمم، لأنني إذا كنت منطلقاً من كوني أمتلك الحقيقة الكاملة المطلقة النهائية فليس هناك إمكانية للحوار هذا هو تعريف “الدوغماتيه” التي هي إنكار الآخر وعدم احترام انسانيته.

أعاد روجيه: ما دمت معتقداً بامتلاكي للحقيقة المطلقة أعتبر كل من يخالفني الرأي إما مريضاً عقلياً، وإما مجرماً ينبغي عقابه هكذا بدأت محاكم التفتيش عملت على إحباط الإنسانية بدلاً من تعميقها وتوعيتها.

قال شيخنا: المعرفة الإنسانية محدودة وتبقى معرفة نسبية ومؤقتة ولكن كلام الله أوضح من كل ذلك.

هزّ روجيه رأسه قائلاً: للأسف التاريخ لا يعطي حقائق وظن المسلمون أن التفوق التقني هو تفوق على المستوى الحضاري ولكنه تدهور أخلاقي وإنساني الكارثة أن البلدان الإسلامية لم تميز بين الحداثة والغربية، وظنت أن كل ما لدى الغرب تفوق وحضارة وتقدم، ما أنكره دائماً أن نجعل الحضارة الغربية قدوتنا إن تخلينا عن الحكمة والوعي والإنسانية يعني أن يصبح الإنسان بربرياً.

قال شيخنا: إذا فقد الإيمان صار الإنسان مجرماً أو شيطاناً ولا يمكن العيش بمجتمع إذا ألغى من وجوده التسامي في الإنسانية.

ردّ الدكتور روجيه: عندما يعيش إنسان بدون قيم مع إنسان مؤمن يحمل أخلاقاً كبيرة يمكن أن ينتصر عليه كما فعل الأمريكيون تجاه العبيد فقد قتلوا منهم من مئة إلى مئتي مليون إنسان، كذلك عندما فرض الغرب تجارة الأفيون الحرة في الصين لتنفيذ أطماعه أفسدوا الأخلاق والأرواح فهل هذا انتصار للمدنية والحضارة على التخلف والبربرية؟

صدقني الآن في الغرب تطرح كثيرٌ من التساؤلات حول شرعية وحقيقة القيم التي يعتقدها الغرب.

ردّ شيخنا بأسف: آثار الاستعمار ما تزال ظاهرة خاصة في البلدان التي يحكمها قادة تخرجوا من جامعات الغرب، وتأثروا بأفكارها وللأسف كل هم الأفراد والحكومات كان ينصب على نقل نموذج المجتمع الغربي مع سلبياته إلى بلادنا، ولن نُنقَذُ مما نحن فيه إلا بالارتباط ببرنامج الله ارتباط الغريق بالسباح الماهر والخير موجود في كل نفس كطبقات التربة الخصبة كلما ضرَبَتْ الجذور فيها وجدت عناصر الغذاء والماء.

سأل الحواريون عيسى عليه السلام يا روح الله:

أعلى الأرض اليوم مثلك؟

قال: نعم من كان منطقه ذكراً وصمته فكراً ونظره عبرةً فإنه مثلي.

الذكر شعلة في القلب يرى الذاكر بها الحقائق الروحية وحكمة الحقائق الدنيوية وهي النعيم الحقيقي وهل النعيم إلا نعيم القلب؟!

الذكر شعلة في القلب يرى الذاكر بها الحقائق الروحية وحكمة الحقائق الدنيوية

وهل العذاب والجحيم والهم والحزن إلا في القلب؟!

المهم تعميق منابعنا الروحية، لأنه عندما تطغى ظلمات الروح، ودسائس النفس يشعر الإنسان بأنه يقتل نفسه وروحه ولا يجلي لك الغمة وينير تلك الظلمة إلا تزكية النفس وكثرة ذكر الله.

تجديد الحياة ينبع من داخل النفس باتجاه الإيمان فيجرف معه كل خوف وكل أنانية والمؤمن القوي لا تخضعه الظروف المحيطة به بل يستفيد من كل ظرف.

تجديد الحياة ينبع من داخل النفس باتجاه الإيمان فيجرف معه كل خوف وكل أنانية

هز الدكتور رأسه موافقاً وسعيداً بما سمع.

[1])) صحيح مسلم: 2664 / كتاب القدر / باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير له.

[2])) صحيح البخاري: 893 /كتاب الجمعة/ باب الجمعة في القرى والمدن.

البعض لا تنقصه الحقيقة

الشيخ أحمد كفتارو
البعض لا تنقصه الحقيقة

البعض لا تنقصه الحقيقة

الشيخ أحمد كفتاروجاءنا مرة بروفيسور أمريكي تعرف على شيخنا عن طريق الإنترنيت عندما قرأ كتابه (The Way of Truth) طريق الحق أدهشه الفكر الإسلامي الرائع، وأعجب بطريقة شيخنا في عرض الإسلام وتفهم الأديان كلها، فراسل المجمع وأعلن إسلامه، ثم جاء إلى دمشق والتقى بشيخنا في المزرعة وأعلن إسلامه أمامه وجلس مع شيخنا ينهل من علمه، ويستفسر عن بعض الإشكالات التي طالما شغلت فكره، ولم يجد لها جواباً في دينه السابق. كان شيخنا يستفيض في الشرح، ثم ما لبث أن علمه ذكر الله ودله على الإخوان ليساعدوه في كل أموره. قبل سفره جاءنا مودعاً، فأقبل عليه شيخنا بسرور لم أعهده مع إنسان آخر، واغرورقت عيناه وعينا شيخنا بالدموع. قال الضيف: صدقني أحسك معي دائماً خاصةً في حالات الذكر، أراك ولا أنسى عينيك ونظراتك وكأنها اخترقت قلبي. بشّ له شيخنا وقبّل رأسه وجلس يحادثه (عن محبة الله، وكيف أن ذكر الله وطاعته ترقى بالمسلم فتحيا روحه بحواس روحانية تختلف عن حواس الجسد المعروفة، فتفتح نوافذ القلب والعقل فيبصر حقائق الحياة ويتجه للخير، فتسمو روحه وتحلق مع بارئها، وتصبح الصلاة صلةً وتواصلاً ووصالاً مع العظيم، ويعيش المسلم مع الله لتصبح راحته وسعادته بها وتصبح حاجته إليها أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب، ولذلك كان نبينا الكريم r يقول لمؤذنه بلال: «أرحنا بها يا بلال»([1])، فلا راحة إلا بلقاء الله). ثم حدثه (أن الأديان ما جاءت إلا لسعادة الإنسان كل الإنسان، وكل عقيدة تخرج عن هذا الإطار تعتبر خروجاً عن الإطار الذي جاء به الأنبياء والذي أوصى به الله، وأن كل ما يخالف قواعد العقل والحقيقة هو خارج عن إطار وحي السماء وجوهر الدين لأن أديان السماء لا تناقض بينها، وإذا وجد التناقض فهو بسبب تأويلات رجال الدين ومغالاتهم، فلا يوجد في هذه الحياة شيء يؤثر على الإنسان كتأثير الإيمان على عقل الإنسان وتطوير حياته إلى الأفضل، لذلك حضَّ الإسلام على التقدم في كل لحظة، وفي كل يوم، فقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه خيراً من يومه فهو محروم، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فبطن الأرض خير له…»([2])). وتابع شيخنا حانياً: (لقد وضع الإنسان عبر مسيرة حياته على الأرض مبادئ كثيرة أرضية وكلها زالت لأن مصدرها من الخلق لا من الخالق ومن الأرض لا من السماء. ولكن الأديان رغم ما دخل عليها من مشوهات شوهت جمالها ومع كل هذا بقيت خالدة. ولو أمكن عرضها إعلامياً مصفاة من الشوائب التي تخالف العقل والحقائق العلمية لما استطاع أي إنسان في العالم أن يرفضها، بل لعشقها، فكما لا يمكن للعين أن تكره الجمال، ولا للأنف أن يرفض الروائح العطرة، ولا للأذن ألا تطرب لأصوات العصافير، كذلك النفس والعقل الإنساني لا يمكنه أن يرفض الحقائق الإلهية التي سلمت من تشويه الإنسان وعدم فهمه.

النفس والعقل الإنساني لا يمكنه أن يرفض الحقائق الإلهية التي سلمت من تشويه الإنسان

إن خلود القرآن إلى يومنا هذا وعدم تحريفه جعل كل من يطلع عليه ويفهمه يصل إلى الإيمان به ويستشعر أنه من خالق الخلق). كان الضيف يكتب كل كلمة يقولها شيخنا بعد أن يشرحها المترجم ويهز رأسه موافقاً لكل ما يقول، ثم قال: سبحان الله إننا غارقون في أمورنا العملية اليومية لذلك لا يتسنى لنا الوقت لننظر إلى أنفسنا كثيراً، حتى إننا لا نعرف كيف نسعد أنفسنا، فعلاً كنت تعيساً، فالجانب الروحي في حياتنا يكاد يكون معدوماً وهذا سبب بلاء كل المجتمعات الغربية. وتابع بانشراح: لقد سعدت بالإسلام حقاً، ولو تسنى للآخرين ما تسنى لي لنعموا بالصلة الإلهية. ثم أمسك يد شيخنا بحنان وقال: شكراً لكم، أنتم أحييتم روحي، وأعدتم التوازن لحياتي، أعدكم بالعودة مراراً حتى أزداد قرباً من الله وفهماً للدين، وادعوا لي أن أبلغ الرسالة إلى من حولي. قال شيخنا مبتسماً: (الكلمة الحقة الحكيمة قد تلقى في بداياتها صعوبة كأية ولادة، ولكن بعدها تتحول الآلام إلى فرح وسرور. لا شيء مقدس إلا الحقيقة، والله هو الحق، ويجب أن نبدأ ونقرر البدء بتعريف الآخرين بما يسعدهم حقاً). صمت الضيف مفكراً وهو يدون كلمات شيخنا في مفكرته ثم قال بتضرع: سؤال أخير يا شيخنا. سألت الكثير من رجال الدين عن موضوع التدخين، منهم من حرمه ومنهم لم يحرمه، بل جعله مكروهاً، وأريد أن أسألك ما رأيكم بالتدخين؟ ضحك شيخنا ونظر إليه ملياً وقال: (ما رأي العلم في التدخين). بهت الضيف، كان يظن أن شيخنا سيقول: حرام، أو لا بأس مكروه. قال الضيف بعد إطراقه: فعلاً العلم أثبت ضرره الشديد. فقال شيخنا: (الدين لا يتناقض مع العلم، بل يسترشد به ويتفق معه، إذا قال العلم أن هذا مضر، فالإسلام يقول: «لا ضرر ولا ضرار»([3]).

الدين لا يتناقض مع العلم، بل يسترشد به ويتفق معه

وعلمت أيضاً أن الذي يستنشق رائحة الدخان مع أنه لا يكون مدخناً يحصل له ضرر كبير!). قال الضيف: هذا صحيح، هذه حقيقة علمية. قال شيخنا: (البعض لا تنقصه الحقيقة أو العلم، ولكن ينقصه تجاوز أهوائه وشهواته لينقاد للحق والهدى).

البعض لا تنقصه الحقيقة أو العلم، ولكن ينقصه تجاوز أهوائه وشهواته لينقاد للحق والهدى

فقال الضيف: شكراً شكراً، جوابكم حكيم، فعلاً أنتم شيخ الحكمة. ودّع الضيف شيخنا ولامست شفتاه ركبة شيخنا وهو يقول: حماك الله للإسلام وأسعدنا بلقياك دائماً. ([1]) سنن أبي داود عن سالم بن أبي الجعد بلفظ: «يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها». ([2]) حلية الأولياء. ([3]) موطأ مالك، مسند أحمد.

لا بد أن نلتقي و سيكون السلام

الشيخ أحمد كفتارو
لابد أن نلتقي و سيكون السلام

لا بد أن نلتقي و سيكون السلام

الشيخ أحمد كفتارووفد صحفي من أوربا وألمانيا خريف 1997

دخل شيخنا الصالون بلباسه الأبيض ووجه يشع نوراً ووقف أعضاء الوفد وكلٌ ينظر إليه محاولاً معرفة كنه هذا الرجل الذي نصحهم الكثير بلقائه ممن اجتمعوا بهم سابقاً، رحب شيخنا بهم وكان يرنو إلى كل واحد منهم بابتسامه فرحاً بهم.

قام أحد الصحفيين الألمان وسأل شيخنا: هل من الممكن أن يدرس الجيل القادم المسيح والمسيحية ولا يكتفي بدراسة القرآن فقط؟

ابتسم شيخنا وهز رأسه قائلاً: في الحقيقة القرآن اشتمل على حياة المسيح وحياة الأنبياء جميعهم، وثاني أكبر سور القرآن سميت باسم عائلته آل عمران تقديساً له، وذكر فيها معجزات المسيح وأنه من روح الله وقد دافع عنه تجاه خصومه من اليهود وأذاهم وهناك أيضاً سورة خاصة باسم السيدة مريم ذكر فيها ولادة المسيح وحضور الملائكة ومخاطبتهم لها {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين }([1]).

 

ولعل ما ذكره القرآن عن السيدة مريم أكثر مما ذكره الإنجيل وفي القرآن نفسه عندنا دراسة قرآنية كبيرة عن المسيح والمسيحية، ولو أن إخواننا المسيحيين درسوا القرآن دراسة عميقة لعرفوا ذلك ولكُنّا معاً في حالة تُسِرُّ الله والملائكة في الأرض وفي السماء.

 

ونحن نقرأ الأناجيل الأربعة ونقرأ الأناجيل التي لم يُقرها مجتمع (نقيه) مثل إنجيل برنابا ونعلم أموراً كثيرة عن المسيح والمسيحية، ونحن بحسب إيماننا نؤمن بالمسيح ورسالته كما نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولو عرف إخواننا المسيحيون سيدنا محمد لأحبوه كما نحب نحن المسيح ونقدسه ولا نقلب العالم كله إلى عالم واحد متآخي باسم الله تحت ظل تقديس المسيح ومحمد واحترامهما.

 

وسيدنا محمد ما أتى لينقض رسالة المسيح وما قال أنا سأبني دار الإيمان بل قال إنه الحجر الأخير في تمام البناء وجاء ليتم هذه الرسالة.

 

وكنت قد اقترحت في أكثر من مؤتمر عالمي أن يؤلف كتاب شرح المسيحية من قبل المسيحيين وكتاب شرح الإسلام من قبل المسلمين ويطبع في مجلد واحد ليتعرف أبناء الدينين على بعضهم البعض من خلال القرآن والإنجيل.

 

إخواننا المسيحيون يؤمنون بالله الواحد أما هكذا؟

 

نحن متفقون على هذا، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته عرَّفت أكثر من مليار إنسان بالمسيح وأمه ورسالته ألا يجب على إخواننا المسيحيين أن يعرفوا هذا الذي آمن به مليار إنسان ضمن أربعة عشر قرن وكلهم يقدسون المسيح ويؤمنون به لا أريد أن أقول إن إخواننا المسيحيين عملوا على عكس ما فعله المسلمون في وقت مضى ولا نسأل عن الماضي، ولكن أؤمن أن إخواننا المسيحيين لو درسوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الدراسة الصحيحة من مصادرها الأصلية لانقلب كوكب الأرض إلى جنة الأرض قبل أن نصل إلى جنة السماء، وأنا أؤكد أن القرن الواحد والعشرين قرن تلاقي الإسلام والمسيحية وزارني مرة سفير كندا فسألني كم عدد المسيحيين في سورية وهو يعلم أن نسبتهم 13% فقط فقلت:

رسالة سيدنا محمد عرَّفت أكثر من مليار إنسان بالمسيح وأمه ورسالته

 

إن كل الناس في هذا البلد مسلمين ومسيحيين لأن كل من يؤمن بالمسيح هو مسيحي.

 نتمنى من إخواننا المسيحيين أن يعرفوا هذا ويقابلوا التحية بمثلها ولكن عن دراسة وعلم وعندئذٍ سيقام لنا احتفالاً في السماء لتلاقينا، أمرنا الله أن نؤمن بالمسيح وبكل الأنبياء حتى أن رسولنا الكريم قال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة» قالوا: كيف؟ يا رسول الله، قال: «الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي»([2])، وسيقوم الشيطان وحزبه احتجاجاً على تلاقينا، ضحك شيخنا وضحك الجميع.

قال أحد الصحفيين: حقاً مرًّ علينا ثلاثة عشر قرناً ولم يكن تصرفنا بالشكل الذي تتفضلون به، نحن أقرباء ولكننا لم نتصرف بما يمليه القرآن، والحروب الصليبية ليست من نتاج هذه القرابة، ولكن لا نستطيع أن ننفي هذه القرون التي مضت لأنها من صلب التاريخ المؤسف.

قال شيخنا رحمه الله باسماً: القرآن يحدثنا من هذا الموضوع في تناسي تلك الأخطاء، فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([3]).

 

فنحن أبناء هذا العصر ولا نسأل عن الماضي فالحروب الصليبية كان لها أجواؤها وجهلها أما الآن فتغيرت الدنيا كلها، أما آن للأفكار العتيقة التي ما زالت تسيطر على عقولنا أن تتبدل؟

 

ما يعرفهُ الإنسان الآن غير ما يعرفه قبل مئة سنة فضلاً من مئات السنين السابقة العالم الآن صار قرية واحدة وبيتاً واحداً فلماذا لا نعمل على نشر الخير والمعرفة؟

قال رئيس الوفد: أحب أن أضيف شيئاً، يوجد أمور مشتركة ولكن ما زالت هناك نقاط خلاف واختلاف، فمثلاً عندما نقرأ الإنجيل وما فيه عن السيد المسيح وشخصيته وطبيعته نرى في القرآن شيئاً مغايراً لذلك فكيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟

قال شيخنا وقد اعتدل في جلسته: نحتاج إلى مترجم جيد فإذا كانت الترجمة جيدة فلا خلاف أبداً لأن شخصين قد ينقلوا خبرين لموضوع واحد وبحسن نية لا يكون تأدية أحدهما كالآخر، لذلك في هذه الأمور الهامة لنختار أجود وأكفأ من يعرف بكنه تلك الأمور، وفي رأيي لا خلاف أبداً وأؤكد كما أؤكد رؤيتي لكم أن القرن الواحد والعشرين قرن اللقاء وهذا سيكون من السماء وسترون ذلك.

 

لم يكن مثل هذا اللقاء ممكناً قبل مئة سنة ويجب أن توسع دائرة اسلام، وأنا أعمل لهذا التلاقي من خمسين سنة وثار عليّ كثير من رجال الدين الإسلامي واتهموني بأشياء كثيرة، وآذوني ولكن الشجرة التي تثمر وتزهر هي التي تصمد ولا تتحول وصار هذا المعنى في بلادنا ونحن أخوة وأنشر ذلك في كل المؤتمرات العالمية، لا بد أن نلتقي وسيكون السلام.

ودّع الوفد شيخنا وهم سعداء بنقاط التواصل وإمكانية السلام.

 

([1]) سورة مريم، الآية: (42).

[2])) صحيح مسلم: 2365 / كتاب الفضائل/ باب فضائل عيسى عليه السلام.

([3]) سورة البقرة، الآية: (134).

نحن بشر ولكن لِنَكُن أوَّابين لأوامر الله

الشيخ أحمد كفتارو
نحن بشر و لكن لنكن أوابين لأوامر الله

نحن بشر ولكن لِنَكُن أوَّابين لأوامر الله

الشيخ أحمد كفتارودُعينا إلى مؤتمر في بيروت… لازَم الأرقُ سماحَةَ الشَّيخ في تلك الليلة التي سيلبِّي صباحَها الدعوة، وكان –رحمه الله- مِمَّن يبذل جهده في وضع النقاط ورؤوس الأقلام للمحاضرة التي سيلقيها، حيث قام عدة مرات ليُضيف فكرة أو عبارةً حتى اقترب الفجر.

قمنا وصلينا صلاة التهجّد ومن ثم الفجر ثم طلب الفطور علَّه يستطيع النوم بعدها -سبحان الله إذا أهمَّه أمر المسلمين لم يعد يلتفت لشيء آخر-.

كنتُ أحاولُ إضافةَ بعضَ اللقيمات خفيةً إلى صحنه حتى يأكل جيداً، كان يراقب ويسمع التلفاز وهو يُبدي قلقه للتطورات السيئة في أفغانستان فخاطبني حزيناً: (انظري عمامته على رأسِهِ ولحيته إلى خصره ويحمل سلاحاً تجاه أخيه المسلم!. سبحان الله!. أين الإسلام؟!.. ورسولنا الكريم يقول: «القاتل والمقتول في النار»([1]).

وتساءل أسِفاً: (هل هؤلاء مسلمون حقيقيون؟!.. أين عقولهم؟!

أين إيمانهم؟!.. أي مستقبل يخطط لهم المستعمرون؟!.. وضعوا السلاح في أيديهم وملؤوا قلوبهم بالعداوات والتعصّب الأعمى!.. مساكين!.. مساكين!.. يذبحون أنفسهم بلا طائل!.. مَنْ الرَّابح في هذه المعركة؟. هل هذا جهاد؟!. الجهاد الأكبر في التغلُّب على الهوى وحُبِّ الزعامة والأنا.

“أنا خير منه”، هذا مبدأ إبليس، الله تعالى يقول: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  }([2]).

كلُّ مبدأ مثالي هو في صميم الإسلام.

يا بنتي؛ الإسلامُ يحملُ في صميمه كلَّ المبادئ الخيّرة للجميع، لكن هُناك من يعمل للشيطان.. ويُحارب للشيطان.. وهناك مَنْ رضي الله عنه.

الإسلامُ يحملُ في صميمه كلَّ المبادئ الخيّرة للجميعه

صِرنا أعداء بعضنا!.. أعداء الإسلام!…

القرآن كله جهادٌ مع الأنا والنفس، وضدَّ الجهل والحرب والعداوات.. القرآنُ هو الدُّستور الفكريُّ الحياتيُّ الإيمانيُّ الذي يُوصِلُ إلى الصِّراط المستقيم؛ إلى السعادة والسلام لكل العالمين.

مُشكلتنا الأولى أننا لا نعرف الله، ولا نعرف أوامره ولا نطبق بجهلنا فقه القرآن الفقه العملي، صرنا أنفالاً لأعداء الإسلام وغنائم سهلة لهم).

وقال محتداً: (كلمة “بركة” خربَتْ بيت المسلمين.. القرآن صار للغناء والطرب والبركة!.. أين التدبُّر؟!..

البركة في فهمه والعمل به، والله تعالى يقول:

{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }([3]).

القرآن صار للغناء والطرب والبركة!.. أين التدبُّر؟!

{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ([4]).

هل تلا هؤلاء القرآن حق تلاوته؟!.. هل فهموا ما يريدهُ اللهُ فعملوا به؟!.. لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم).

ثم قال لي بعد الفطور مشفقاً: (لقد أسهرتك معي طويلاً وسنسافر بالسيَّارة، ولربَّما تتعبين، تعالي ونامي حتى ترتاحي).

قلتُ له سأحاولُ ولكن بعد أن أُنهي عملي في ترتيب أمور السفر.

استيقظَ بعد ساعتين فقط، وكنت لتوِّي أنهيت الترتيبات فقال معاتباً: (لم تنامي؟! أتعبتُك في الليل).

قلتُ باسمةً: المهمُّ أنك نمتَ قليلاً، أرجو أن تكون مرتاحاً.

ركبنا في السيَّارة ولم تمضِ دقائق حتى وجدتُ نفسي أتمايل من النُّعاس، فاقترب مني وقال مشيراً إلى كتفه: (ارتاحي.. ضعي رأسك).

نظرتُ إليه شاكرةً وقلتُ: لا أرجوك… أخشى أن أتعبك.

قال: (لا أنا مرتاح). وما هي إلا لحظات حتى لفَّني نومٌ عميق.

انتبهتُ من غفوتي على صوت السائق “أبو الخير السعدي” يهمس: يا حجّة.. يا حجّة.. قاربنا الوصولَ إلى الحدود.

فتحتُ عيناي بصعوبة، لم أدرِ أين أنا، وأحسست بأنامل شيخنا تمسُّ ظهر يدي بلطفٍ زائد معبِّراً عن أسفه لإيقاظي: (عفواً هاتِ اللفة بابا).

وضعَ اللفة على رأسه وما كان من الضُّباط إلا إلقاء التحيّة عليه وطلب الدعاء لهم، وبعد أن تجاوزناهم بقليل عرضَ عليَّ متابعة النَّوم.

فقلت ضاحكةً: لا.. الحمد لله.. نمتُ جيداً واستعدتُ نشاطي، ثم أمسكَ كتابه وبدأ يقرأ لي بعض مقتطفات من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاملته لأزواجه.

وكعادته -رحمه الله- لا يترك القراءة أبداً، حتى في السيارة، فكتابه لا يفارقه أبداً.

كانت ينتقي لي الكثير من اللطائف النبوية التي تنطبق على حياتنا الآن وعلى واقعنا الإسلامي… حتى لا أستنكر أو أُدهش مما يقع معي ويتكرر دائماً.

تابع بحنان: (نحن بشر، ولن يتغير البشر كثيراً، انظري إلى الصحابة الكرام، فالرسول صلى الله عليه وسلم بينهم والوحي ينْزل عليه، ومع ذلك لا بُدَّ من الاختلاف والتباين في الآراء والأعمال، وقد يكون هناك بعض التنازع والشِّجار، المهم أن نكون مثلهم: أوَّابين لأوامر الله، محكمين كتابَهُ، تجاه العدوّ جسداً واحداً، وقوَّة رادعة للظلم، نبلِّغ رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها.

عندها نكون مُسلمين حقيقيين فيستجيب لنا دعاءنا وينصرنا.

نرجو من الله أن نكون جميعاً كما أراد لنا).

([1]) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد.

([2]) سورة الفتح، الآية: (29).

([3]) سورة محمد، الآية: (24).

([4]) سورة البقرة، الآية: (121).

الإسلام آخى بين الدين و العقل

الشيخ أحمد كفتارو
الإسلام آخى بين الدين والعقل

الإسلام آخى بين الدين و العقل

الشيخ أحمد كفتارولقاء مع صحفي أمريكي 12/3/1996م

وصل الصحفي الأمريكي الضيف المزرعة، واستقبله شيخنا بحفاوته المعتادة.

قال الصحفي: لقد تشرفت كثيراً بسماحكم لي بهذا اللقاء.

رحب به شيخنا ثانية قائلاً: وأنا مسرور أكثر بهذا اللقاء عسى الله أن يجعله خيراً للإنسان في أمريكا، وفي العالم كله، إن ما يحيط بالعالم الآن من أخطار الأسلحة الحديثة من الأقوياء وتسابقهم على المكاسب المادية. كل ذلك يولد خطراً عظيماً فلو صارت حرب مع وجود كل هذه الأسلحة ستكون النتائج معروفة، والقانون الإلهي وحده قادر على منع هذا المصير، وهذا الشقاء لكل البشرية، ولا بد من التعريف بالإسلام وأنه ليس عدواً للإنسان ولا لشرائع السماء الأولى بل أتى لينعش شرائع السماء ويرفع عنها كل ما شوه جمالها ويعيدها إلى أصلها الأول، وقد جمع الله سبحانه كل تلك الشرائع في القرآن الكريم.

 

الأديان كلها تحتاج إلى إعادة نظر لإعادتها إلى شبابها وأصالتها وجمالها، فكل مالا يتفق مع مصلحة الإنسان الحقيقية وسعادته لا يدخل في إطار الدين مطلقاً لأنه أُدخل من قبل رجال الأديان ومصالحهم، وبتجاربي الشخصية ما رأيت إنساناً من اليابان إلى أمريكا كان سلبياً تجاه الإيمان الحقيقي.

قال الصحفي: طبعاً إلا أن هناك الكثير من الآراء المشوهة عن الإسلام في أمريكا فالكثيرون يظنون أن الإسلام لا يتسامح أبداً مع من لا يؤمنون بالله فما هي الحدود المرسومة الإسلامية فيما يتعلق مع غير المؤمنين من أتباع الديانات الأخرى؟

اعتدل شيخنا في جلسته وقال مبتسماً:

القاعدة العامة في الإسلام حرية المعتقد، كل إنسان حر فيما يعتقد، لذلك لما حرر الإسلام الشرق الأوسط من الاستعمار الروماني أبقى للنصارى كنائسهم وحرية عبادتهم مع أن الحكومة الرومانية كانت باغية على كل الطوائف المسيحية الأخرى فصادرت كل أوقافها لمصلحة الكنيسة الأرثوذوكسية وجاء الإسلام فأعاد للكنائس المضطهدة كل حقوقها المسلوبة وإذا تأملنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مواقف منها وفد النصارى من نجران حاورهم رسولنا الكريم بما قاله تعالى في حقهم واستقبلهم في مسجده وقال: إن المسيح نبي وليس كما تعتقد الكنيسة وتلا عليهم القرآن { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }([1]).

كان الحوار معهم بكامل الحرية ولكنهم لم يتقبلوه وهذا شأنهم مع أن القوة كانت كلها بيده، ولكن حرية المعتقد في القرآن لا يخالفها أحد { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }([2]).

كان الصحفي يسمع ويسجل كل كلمة ثم قال لشيخنا رحمه الله: الآن بالنسبة للتسامح كيف يطبق اليوم؟

رد شيخنا مبتسماً: يوجد عقائد مختلفة في كل بلد إسلامي وكل منهم يعبد ربه على حسب عقيدته، في إيران يوجد كنائس للنصارى واليهود، وفي باكستان والإمارات وفي كل البلاد العربية.

تساءل الصحفي قائلاً: في الوقت الحاضر كما تعلمون يوجد الكثير من الصراعات والاضطرابات فهل تعتقدون أنه يوجد حل بالنسبة للسلام العالمي؟

شبك شيخنا رحمه الله أصابعه وقال بهدوء:

في القرآن الكريم القانون الإلهي أنزل الله حلاً لكل مشاكل الإنسان، الحل الإلهي لا ظالم ولا مظلوم، لا جائع ولا متخوم، لا عالم ولا جاهل بلا تعليم، الجار مسؤول عن جاره، والغني مسؤول عن الفقير، والحاكم مسؤول عن الرعية أمام الله، هكذا كان الإسلام.

 

كانت محاكم التفتيش في الغرب تحكم بالإعدام والقتل باسم المسيحية وباسم الدين لذلكَ بَعُدَ إنسان الغرب عن الدين، وإن كان بنظري لم يبعد ولكن كان ينقصه من يعرفه بحقيقة الدين.

 

الدين هو مجموع الفضائل التي جاءت بها كل رسالات السماء مما يحقق مصلحة الإنسان وسعادته، حرم الإسلام المخدرات والمسكرات والزنا والآن العلم والطب والصحة تحرم هذه الأشياء، الآن فهم الجميع سر التحريم الديني، والمؤمن آمن بكل هذه الأمور قبل أربعة عشر قرناً لذلك كان عصر الصحابة عصر الفضائل والأخلاق.

 

فالإسلام آخى بين الدين والعقل، حتى جعل التفكر في الكون وقوانين الحياة الطبيعية طاعات مقربة إلى الله وهذا أعطى للإسلام ميزة عن غيره من الأديان.

([1]) سورة آل عمران، الآية: (59).

([2]) سورة الكافرون، الآية: (6).

دارهم مادمت في دارهم

الشيخ أحمد كفتارو
دارهم مادمت في دارهم

دارهم مادمت في دارهم

الشيخ أحمد كفتاروكان عندنا قطة جميلة شعرها ناعم وطويل، وكانت عندما ترى شيخنا تلاحقه وتسير معه، وإذا جلس تجلس بجانبه، وإذا غادرته أنا لأحضر كتاباً أو شيئاً انتهزت فرصة عدم وجودي لتقفز إلى حضنه ويحادثها شيخنا ويمسح على ظهرها فتنام في حضنه وكأنها فرصتها لترتاح.

عندما أعود وأراها قد استسلمت للنوم أحس بضيق منها فأناديها وأؤنبها: اذهبي اذهبي يا غليظة، فتقفز بعيداً، فينظر لي شيخنا بعتاب ويقول: (أحسست بتنميل في رجلي ومع ذلك لم أحركها حتى لا أزعجها في نومها، وجئت أنت بقسوة فأيقظتها!).

فأقول متضايقة: إن القنباز يتسخ من شعرها.

فيقول ضاحكاً:

(سبحان الله، سبحان الله، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ»([1])).

بعد ذلك صارت القطة تهرب بعيداً كلما رأتني فيقول لي شيخنا: (انظري إنها تترك لك المكان، سبحان الله أحسَّت بعدم رغبتك بها، “ودارهم ما دمت في دارهم”).

حتى الكلب الذي في المزرعة كان يلازمنا عندما نسير، وكان شيخنا يحنو عليه ويداعبه ويسلم عليه ويطعمه بيده ويوصي به إذا سافر.

كنت أخاف منه كثيراً ولكن شيخنا حاول أن يكسر خوفي، ويجعلني ودودة له حتى ألفني وصار يلازمني عندما أمشي وحدي وكأنه يحرسني من الآخرين.

([1]) صحيح مسلم، عن عائشة.

من أمة قومية إلى أمة عالمية

الشيخ أحمد كفتارو
من أمة قومية إلى أمة عالمية

من أمة قومية إلى أمة عالمية

الشيخ أحمد كفتارولقاء أستاذ الجامعة محمد أسعد وزملائه الأمريكان

صيف 1995

جلسنا ننتظر أستاذ جامعة من أمريكا وزميله ومجموعة من الشباب أمسك شيخنا بكتابه كعادته بعد أن صلينا الضحى ونظر إليّ  مسروراً وأنا أحضر دفتري والأقلام وآلة التسجيل استعداداً لاستقبال الضيوف قال شيخنا رحمه الله ضاحكاً:

العلم صيد والكتابة قيده         قيد صيودك بالحبال الواثقة

أحسنتِ أنت عزائي كنت أرجو امرأة مثقفة تهتم بالفكر الإسلامي وتنقله للآخرين فالحمد لله.

جاء الضيوف ونزلنا إلى الحديقة لاستقبالهم والجو ربيعي معتدل رحب بهم شيخنا باشاً مبتسماً ثم قال:

العرب زمن النبي صلى الله عليه وسلم أبناء الصحراء لم يقرؤوا كتاباً ولم يكن لهم جامعات انقلبوا بشكل مفاجئ إلى فلاسفة العرب، إلى أخلاق الملائكة، إلى أعظم رجال في السياسة والحروب، بنوا الدولة الإسلامية، ثم أقاموا الدولة العالمية ومن أمة قومية إلى أمة عالمية.

 

قومية الأمة هي وحدة اللغة والأرض، هذه الأرض لا ترفع شأن الإنسان، كذلك وحدة اللغة موجودة بالحيوانات لغتهم واحدة وأرضهم واحدة لا توجد قومية أشرف من قومية، لكن الذي يشرف الإنسان علوم النبوة القائمة على العلم وهو كل ما ينفعك وينفع الناس لتعمل به، ومعرفة كل ما يضرك ويضر الناس لتتجنبه، وهذا أول جوهر في القومية السماوية، ثم هي الحكمة التي هي الصواب في القول والعمل. والثالث تزكية النفس ونقلها من رذائلها ونقائصها إلى فضائلها وكمالاتها.

 

فالإسلام نقل الإنسان من قومية الأرض واللغة الموجودة حتى بالحيوانات إلى قومية العلم والحكمة والتزكية فهذه قومية الإيمان.

الإسلام نقل الإنسان من قومية الأرض واللغة إلى قومية العلم والحكمة والتزكية

 

وهذا خاص بالإنسان الروحاني المؤمن والذي طريقه الصراط المستقيم سبيل الله؛ طريق الله؛ صراط الله.

 

والجهاد في سبيل الله أن نبذل كل ما نملك من طاقة لتوصيل العلم والحكمة والتزكية إلى كل الناس وأن تبذل مالك وجسدك وروحك في هذا الجهاد المقدس، وهو مقدس لأنه لا غرض المصلحة والمنفعة إلا هدف النهوض بالإنسانية إلى المستوى الملائكي لذلك المسلمون الأول لما جاهدوا في كل البلاد والشعوب فتحوها ليس استعماراً وتسلطاً على خيراتها بل ليعلموهم العلم والحكمة والتزكية وليكونوا متساوين بالنهاية.

 

فالإسلام لم يفضل بين إنسان وإنسان باللون وباللغة أو بالأرض، بل يفاضل بين البشر بالعلم والحكمة والتزكية وهو ما يسمى بالتقوى يقول الله عز وجل:{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }([1]) وهذا أغلى أنواع التعليم والثقافة.

 

العلوم الآن تهدف للوصول إلى المال والقوة ليتسلط القوي على الضعيف وهذا انحدار للإنسانية وهلاك.

 

أما ثقافة السماء فتأمرك بامتلاك القوة والمال لا لتطغى بها على الضعفاء أو لتمنع معونتك عن الضعفاء بل لتخدم الضعفاء وتعلمهم إن كانوا جاهلين وتغنيهم إن كانوا فقراء، وتعالجهم إن كانوا مرضى وإن كانوا أعداءً لتصلح بينهم هذا هو الإسلام.

([1]) سورة الحجرات، الآية: (13).

فلينظر أحدكم من يخالل

فلينظر أحدكم من يخالل

فلينظر أحدكم من يخالل

الشيخ أحمد كفتاروكان الإخوان من بعيد يراقبون الأوضاع خوفاً على الشيخ من أي إزعاج أو ضيف غير مرغوب فيه. كنا نتمشّى، وكان يعلمني الكثير، لم يترك لحظة إلا ويعلمني فيها آيات وأحاديث ويقص القصص والعبر والأشعار. كل كلمة كان لها مدلولها الذي يريد أن يغرسه فيّ بحنان وحب وحكمة. جلسنا لنرتاح على كرسي في الجهة القبلية فابتعد عنا الإخوان ودخلوا المنْزِل. لاح من بعيد شبح رجل يتجه إلينا، وما كاد يقترب حتى حاول الإخوان ثنيه عن لقاء الشيخ ولكنه كان قد وصل إلينا. عندما رآه شيخنا نظر إليه ملياً. قال الرجل: أرجوك أعطني بعضاً من المال، زوجتي مريضة جداً ويلزمها عملية. فدعا له شيخنا بلطف. استغربت الموقف، ووددت لو أنه أعطاه. غادرنا الرجل بانكسار، وهو يتمتم بكلمات غير مهذبة. نظر إلي شيخنا لَمّا رأى استغرابي ودهشتي وأيقن أنني سأكلمه في الأمر فابتدرني: (أتعلمين من هذا الشخص؟). قلت: طبعاً لا. ثم قلت بخجل: ولكن يبدو أنه فقير ومحتاج!. فقال شيخنا بحسرة: (والد هذا الشخص كان اسمه ملك الغوطة، كان يملك معظم أراضي الغوطة، وعندما توفي ترك لهذا الشاب تقريباً معظم ثروته، ولكن الرجل كان طفلاً في عقله وتدبيره وحام عليه “أولاد آدو” أصحاب السوء فجرّوه إلى الخمر والنساء والقمار حتى فقد كل أمواله وصار يتكفف الناس)… تابع بحنان وهو ينظر إلي: (يا بنتي الصاحب ساحب، يا بنتي الإنسان يبحث شهوراً عن حذاء مناسب وعن ثوب يعجبه، ولكن عند الصديق لا يفكر ولا يختار الجليس الصالح، وينسى بأنه سيشرب من أخلاقه وسلوكه رغماً عنه… رسول الله r يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»([1]). الصحبة نقلة نوعية في شخصية الإنسان، إما جنة وإما نار، شاء أم أبى.

الصحبة نقلة نوعية في شخصية الإنسان، إما جنة وإما نار، شاء أم أبى

هذا الرجل تركه أصدقاؤه دون أي معونة أو وفاء بعد إفلاسه!). ثم تابع بهدوء وحزن: (لقد جاء إلي عدة مرات وأشفقت عليه وساعدته، ولكن عندما تكرر طلبه رفضت إعطاءه أي مبلغ، وأرسلت السائق ليوصله مرة إلى داره بغرض التعرف على أهله، فوجدهم في بيت فقير جداً، وأخبرت زوجَتُهُ السائقَ بأنه باع كل شيء حتى أغراض البيت. فصرت أرسل لها مؤونة، ولكن زوجته طلبت عدم الإكثار لأنه كان يبيع حتى المؤونة ليلعب بالقمار ويشرب مخدرات، ولا بأس عنده أن يبقى أولاده بدون طعام أو لباس، وقالت إنها تخفي عنه ما كنا نرسله لها. إن حالتهم صعبة جداً، حتى أهلها رفضوا استقبالها مع الأولاد لذلك فضلت البقاء في هذا البؤس لعل الله يفرج عنها يوماً، بل صارت تعمل حتى تساعد أولادها وتعلمهم وتعيلهم). حزنت كثيراً وأيقنت بأن شيخنا أعطاني درساً لن أنساه وفكرت ماذا فعل هذا بنفسه؟ وكيف اختار هذا الطريق؟ لقد قتل نفسه وقتل شخصيته حتى أولاده لم يبال بهم!… وصدق الله العظيم: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} ([2]) فعلاً كما قال شيخنا: (لقد باع عقله للشيطان). تابع شيخنا: (الموفق يا بنتي من يسارع إلى تصحيح خطئه قبل فوات الأوان وقبل أن يغرق فلا يستطيع أن ينقذ نفسه.

الموفق من يسارع إلى تصحيح خطئه قبل فوات الأوان

الموفق من يبحث عن مربٍّ يعلمه ويزكيه، فيرى الحق حقاً ويتوجه إليه، ويرى الباطل باطلاً ويجتنبه. الله يوفقنا…

الموفق من يبحث عن مربٍّ يعلمه ويزكيه، فيرى الحق حقاً ويتوجه إليه

الله أنار لنا الطريق وعبّده لنا، ومن ثم أعطانا العقل لنتجه إلى صراطه المستقيم والذي يأبى هو الخاسر الأول، كما قال رسول الله r: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»([3]). يا بنتي دائماً نتهم القدر بأنه السبب، اختيارنا هو قدرنا.

نحن دائماً نتهم القدر بأنه السبب، ولكن اختيارنا هو قدرنا

ألهمنا الله الخير دائماً وصحَّحَ خطواتنا). قلت: آمين آمين. صيف 1993   ([1]) سنن الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ([2]) سورة النساء، الآية: (5). ([3]) صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه.